تحقيق لرويترز: بعد 25 عاماً.. تداعيات 11 سبتمبر لا تزال تطارد الأمريكيين

فجر اليوم
بعد مرور ربع قرن على هجمات 11 سبتمبر 2001، لم تنتهِ تداعيات ذلك اليوم بانهيار برجي مركز التجارة العالمي وسقوط ضحايا الهجمات، بل امتدت آثارها إلى حياة آلاف الأمريكيين الذين عاشوا الكارثة أو شاركوا في عمليات الإنقاذ والتعافي.
وبينما تستعد الولايات المتحدة لإحياء الذكرى الـ25 للهجمات، تكشف شهادات ووثائق وبيانات صحية عن إرث طويل من الأمراض والذكريات والآثار النفسية التي لا تزال حاضرة لدى الناجين وعائلات الضحايا وعمال الطوارئ.
أكثر من 150 ألف شخص ما زالوا يتلقون الرعاية
قتل نحو 3 آلاف شخص في الهجمات التي استهدفت مركز التجارة العالمي والبنتاجون وتحطمت خلالها طائرة رابعة في ولاية بنسلفانيا.
لكن الخسائر لم تتوقف عند ذلك الرقم.
ووفق بيانات برنامج الرعاية الصحية لمركز التجارة العالمي، يتلقى أكثر من 150 ألفًا من المستجيبين للطوارئ والناجين الرعاية بسبب حالات صحية مرتبطة بالهجمات وعمليات الإنقاذ والتعافي التي أعقبتها.
وبحلول 30 يونيو 2026، أصدر البرنامج ما يقارب 85 ألف شهادة طبية لحالات صحية مرتبطة بأحداث مركز التجارة العالمي. وكان نحو نصف هذه الشهادات مرتبطًا بالتعرض للغبار السام واستنشاقه أو ابتلاعه، فيما ارتبط نحو 30% منها بالسرطان.
كما توفي أكثر من 9 آلاف من عناصر فرق الاستجابة الذين يتابعهم البرنامج منذ الهجمات، رغم صعوبة تحديد مدى ارتباط جميع هذه الوفيات بصورة مباشرة بالتعرض الناجم عن أحداث 11 سبتمبر.
أبناء الضحايا يواصلون إرث آبائهم
لم تقتصر آثار الهجمات على الجانب الصحي، بل امتدت إلى الأجيال التالية.
ومن بين القصص التي يرصدها التحقيق قصة سكوت لارسن، الذي كان يبلغ من العمر أربع سنوات عندما فقد والده، رجل الإطفاء في مدينة نيويورك، خلال انهيار مركز التجارة العالمي.
وبعد سنوات، اختار لارسن السير في الطريق نفسه، وانضم إلى إدارة إطفاء نيويورك، ثم تمكن من العمل في مركز الإطفاء نفسه الذي كان والده يخدم فيه.
لارسن ليس حالة منفردة؛ فقد انضم 58 من أبناء رجال الإطفاء الذين قتلوا في هجمات 11 سبتمبر إلى إدارة إطفاء نيويورك، وفق بيانات جمعتها الرابطة الدولية لرجال الإطفاء.
ولا يزال إرث العائلة مستمرًا؛ إذ يسعى شقيق لارسن الأصغر، الذي ولد بعد الهجمات بفترة قصيرة، إلى الانضمام إلى إدارة الإطفاء أيضًا.
الغبار السام.. خطر لم يظهر كله في ذلك اليوم
في الأيام والأسابيع التي تلت الهجمات، عمل عشرات الآلاف من رجال الشرطة والإطفاء وعمال المرافق والبناء في موقع الأنقاض، المعروف باسم “الكومة”، بحثًا عن ناجين ثم عن الجثث والرفات.
وكانت سحب الغبار الكثيفة من أبرز المخاطر التي واجهتهم.
ويستعرض التحقيق تجربة الطبيب مايكل كرين، الذي كان مسؤولًا عن حماية عمال الإنقاذ وفحصهم والتأكد من حصولهم على معدات التنفس المناسبة.
لكن معدات الحماية لم تكن دائمًا كافية؛ إذ كان الغبار يسد أجهزة التنفس بسرعة، ما دفع بعض العاملين إلى مواصلة العمل من دون استخدامها.
ومع مرور السنوات، ظهرت أمراض مرتبطة بالتعرض للمواد التي انتشرت في موقع الكارثة، لتتحول عملية الإنقاذ بالنسبة إلى بعض المشاركين إلى مصدر لمعاناة صحية طويلة الأمد.
“كان الأمر شخصيًا”
يتذكر كرين أحد عمال الإنقاذ الذين وصلوا إلى مكتبه في الأيام الأولى بعد الهجمات وهو يعاني من سعال شديد.
طلب منه الطبيب التوقف عن العمل لبضعة أيام وتلقي العلاج، لكنه رفض، لأن أحد أفراد عائلته كان لا يزال مفقودًا تحت الأنقاض.
تلك اللحظة، بحسب كرين، جعلته يدرك أن الأمر لم يعد مجرد أزمة وطنية أو كارثة عامة، وإنما أصبح مسألة شخصية بالنسبة إلى كثير من العاملين الذين كانوا يبحثون عن أحبائهم.
وبعد 25 عامًا، لا يزال كرين يعمل في مجال رعاية الأشخاص المتضررين من أحداث 11 سبتمبر.
يوم غيّر حياة أشخاص لم يعرفوا ما سيحدث
يروي التحقيق أيضًا قصة مايكل توهي، الموظف السابق في خدمة العملاء بإحدى شركات الطيران، الذي تعامل صباح 11 سبتمبر مع اثنين من منفذي الهجمات في مطار بورتلاند الدولي بولاية مين.
ساعد توهي محمد عطا وعبد العزيز العمري في إجراءات السفر قبل صعودهما إلى الطائرة التي أصبحت لاحقًا جزءًا من الهجمات.
في ذلك الصباح، شعر توهي بأن أحد الرجلين لم يكن مرتاحًا، لكنه لم يتصرف بناءً على ذلك الشعور، معتبرًا أن الوقت كان مبكرًا جدًا وأن المسافرين قد يكونون ببساطة متوترين أو غير مرتاحين.
بعد الهجمات، أعاد توهي التفكير في تلك اللحظة مرات عديدة.
ويقول، بعد سنوات من التقاعد، إن حدسه كان في محله، لكنه كان مقيدًا بالقواعد والإجراءات التي لم تكن تسمح باستهداف الأشخاص أو الاشتباه فيهم بناءً على سماتهم الشخصية.
ويبقى السؤال بالنسبة إليه مفتوحًا: ماذا كان سيحدث لو تصرف بشكل مختلف؟
إرث يتجاوز الولايات المتحدة
لم تغير هجمات 11 سبتمبر حياة الضحايا والناجين وعائلاتهم فحسب، بل أعادت تشكيل الولايات المتحدة نفسها.
فقد أعيد بناء منظومة الأمن القومي، وشُددت إجراءات التفتيش في المطارات، وأنشئت وزارة الأمن الداخلي، كما دخلت البلاد مرحلة جديدة من القوانين والإجراءات الأمنية.
وعلى المستوى العسكري، ساهمت الهجمات في إشعال حربي أفغانستان والعراق، اللتين استمرتا سنوات طويلة وخلفتا خسائر بشرية هائلة.
وبعد 25 عامًا، تبدو أحداث 11 سبتمبر بالنسبة إلى كثير من الأمريكيين أقل شبهًا بذكرى تاريخية بعيدة وأكثر شبهًا بحدث مستمر، تعيش آثاره في أجساد الناجين، وفي ذاكرة عائلات الضحايا، وفي المهن التي اختارها أبناؤهم، وفي نظام أمني وسياسي تشكل بصورة كبيرة بعد ذلك اليوم.
فقد انتهت ساعات الهجمات في صباح 11 سبتمبر 2001، لكن بالنسبة إلى آلاف الأمريكيين، لم تنتهِ تداعياتها بعد.




