تحقيقات
أخر الأخبار

تحقيق | هل فقد العالم بوصلته الأخلاقية؟.. التكنولوجيا والحداثة في مواجهة مصير الإنسان

فجر اليوم
بين تسارع الذكاء الاصطناعي وتراجع القيم الإنسانية، يبرز سؤال كبير: هل استطاعت الحضارة الحديثة أن تحقق التقدم دون أن تفقد الإنسان بوصلته الأخلاقية؟
لم تعد أزمة الإنسان المعاصر مرتبطة بالتطور العلمي والتقني فقط، بل أصبحت مرتبطة بالمعنى والقيم والقدرة على التمييز بين ما هو ممكن تقنياً وما هو صحيح أخلاقياً. وفي ظل تصاعد الأزمات الإنسانية والحروب والتغيرات الاجتماعية المتسارعة، يتجدد النقاش حول مستقبل الأخلاق ودور الدين في توجيه الإنسان.
في حوار مع الجزيرة نت، تناولت الفيلسوفة الجزائرية الدكتورة نورة بوحناش، أستاذة الفلسفة بجامعة قسنطينة، التحديات التي تواجه الإنسان المعاصر، من أزمة الأخلاق إلى تأثير التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي على الأسرة والمجتمع.
الأخلاق.. فطرة إنسانية تحتاج إلى توجيه
ترى بوحناش أن الأخلاق ليست مجرد نتاج للدين أو المجتمع، بل هي جزء أصيل من طبيعة الإنسان وفطرته، مشيرة إلى أن العديد من الفلاسفة، ومن بينهم سقراط، أعتبروا الفضيلة معرفة كامنة في النفس البشرية.
لكنها تؤكد أن الدين يمنح الأخلاق بعداً أعمق، إذ لا يكتفي بتحديد السلوك الصحيح، بل يقدم مرجعية تمنح الإنسان معنى لما يفعله، وتساعده على الالتزام بالقيم في مواجهة الغرائز والضغوط.
وترى أن العلاقة بين الدين والأخلاق لا ينبغي أن تكون علاقة انفصال، لأن جوهر التدين الحقيقي يظهر في حسن التعامل والرحمة والعدل، وليس في المظاهر والشعارات فقط.
أزمة القيم في عصر التقدم
رغم الإنجازات العلمية الهائلة التي حققتها الحضارة الحديثة، ترى بوحناش أن العالم يعيش أزمة أخلاقية بسبب هيمنة منطق المنفعة والمصلحة على حساب القيم الإنسانية.
وتشير إلى أن التناقض بين المبادئ المعلنة والممارسات الواقعية أصبح واضحاً في العديد من القضايا الدولية، معتبرة أن ذلك يكشف حاجة البشرية إلى إعادة التفكير في مفهوم الأخلاق ودورها في إدارة العالم.
وتقول إن التقدم العلمي لا يكفي وحده لصناعة حضارة متوازنة، لأن القوة والتكنولوجيا دون ضوابط أخلاقية قد تتحول إلى أدوات للهيمنة والإضرار بالإنسان.
هل يستطيع النموذج الإسلامي تقديم إجابات؟
بحسب بوحناش، فإن النموذج الإسلامي يقوم على فكرة تكريم الإنسان والحفاظ على فطرته وتحقيق التوازن بين حاجاته المادية والروحية.
لكنها ترى أن المجتمعات الإسلامية لم تنجح في تقديم هذا النموذج بصورة حضارية معاصرة، بسبب ضعف الإنتاج الفكري والمعرفي، والانشغال باستهلاك نماذج الآخرين بدل بناء مشروع مستقل.
وتؤكد أن المشكلة ليست في غياب القيم الإسلامية، وإنما في الفجوة بين المبادئ النظرية والممارسة اليومية.
الذكاء الاصطناعي.. عندما تصبح التكنولوجيا شريكاً في تشكيل الإنسان
ترى بوحناش أن التحدي الأكبر في المرحلة المقبلة يتمثل في الذكاء الاصطناعي والتقنيات الحديثة التي بدأت تؤثر في طريقة تفكير الإنسان وعلاقاته الاجتماعية.
وتحذر من أن التكنولوجيا لم تعد مجرد أدوات محايدة، بل أصبحت عنصراً مؤثراً في تشكيل السلوك والثقافة ونمط الحياة، خصوصًا مع أنتشار العالم الافتراضي ووسائل التواصل الاجتماعي.
وترى أن هذه المنصات أسهمت في تعزيز الفردانية ونشر صورة غير واقعية عن السعادة، عبر ثقافة الاستهلاك والمقارنة المستمرة بين الأفراد.
الأسرة أمام اختبار جديد
تعتقد بوحناش أن التكنولوجيا الحديثة ساهمت في تغيير طبيعة العلاقات داخل الأسرة، إذ أصبح أفراد الأسرة الواحدة يعيشون أحيانًا في عوالم رقمية منفصلة رغم وجودهم في المكان نفسه.
وترى أن المشكلة ليست في التقنية بحد ذاتها، وإنما في غياب الإنسان القادر على استخدامها بوعي، مؤكدة أن بناء شخصية تمتلك قيماً راسخة هو الطريق للاستفادة من التكنولوجيا بدل الخضوع لها.
الأزمة الحقيقية.. أزمة بناء الإنسان
تخلص بوحناش إلى أن المعركة الأساسية في العصر الحديث ليست بين الإنسان والتكنولوجيا، وإنما بين إنسان يمتلك الوعي والقيم، وآخر يتحول إلى مستهلك تابع لما تنتجه المنظومات التقنية والاقتصادية الكبرى.
وترى أن مستقبل البشرية لن تحدده سرعة التطور التكنولوجي فقط، بل قدرة الإنسان على الحفاظ على أخلاقه وهويته ومعناه، مشددة على أن بناء الإنسان الواعي هو الخطوة الأولى لمواجهة تحديات المستقبل.
المصدر: الجزيرة نت
إعادة صياغة وإعداد: موقع فجر اليوم

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى