عراقجي .. فيلسوف الوقت..هل تغلبه عقارب الساعة؟

فجر اليوم || خاص
عراقجي .. فيلسوف الوقت..هل تغلبه عقارب الساعة؟
أتابع باهتمام النشاط الدؤوب لوزير الخارجية الإيراني #عباسعراقچی ، الذي وجد نفسه قائداً لدبلوماسية بلاده في واحدة من أصعب الفترات التي تمر بها، إن لم يكن أصعبها على الاطلاق!..أبحث في مفاوضات #مسقط عن أثر كلماته :” التفاوض الناجح هو الذي يحفظ كرامة الدولة، حتى إن لم يحقق كل مطالبها والاتفاق الجيد ليس ما يُرضي الجميع، بل ما يمنع الخسارة الاستراتيجية”! لم يكن مضى على تعيين عباس عراقجي كوزير للخارجية الإيرانية سوى أربعة أشهر، حين سنحت لي فرصة اجراء حوار خاص معه في القاهرة. ولأن الحوار جاء بعد أسبوعين على سقوط نظام #بشارالأسد ، كان بديهياً أن يصبح ذلك التطور الدراماتيكي في مقدمة القضايا التي ناقشتها معه..لم يفاجئني انتقاده لحليف قدمت له #إيران كل أشكال الدعم لسنوات طويلة، لكنه – أي الأسد- ” لم يستمع لنصائحها” في العام الأخير الذي سبق سقوط نظامه حسب تعبير عراقجي!
كنت قد جهزت نفسي قبل الحوار بدراسة شخصية ضيفي من مختلف الجوانب، خاصة دوره ككبير المفاوضين الإيرانيين في مفاوضات 5+1 إبان رئاسة حسن روحاني..وهي التجربة التي تضمنها كتابه ” قوة التفاوض” حيث شرح فلسفته بالقول: “التفاوض ليس اختبار ذكاء بين شخصين، بل صراع إرادات بين دولتين” .. ” و من يذهب إلى التفاوض دون استراتيجية واضحة، يوقّع على خسارته مسبقًا” .. استحضرت أيضاً ما كتبه عن رؤيته للوقت ” كأحد أهم عناصر القوة، باعتبار أن من لا يخشى الانتظار يفرض شروطه” وهو ما أعاد لي ذكريات عمرها أكثر من عقدين حين كنت أغطي زيارات وزير الخارجية الإيراني كمال خرازي إلى #موسكو عام 2005 ومباحثاته مع نظيره الروسي ( الجديد في منصبه آنذاك) #سيرغي_لافروف حول الملف النووي الإيراني.
استعدت تلك الذكريات مع سطور عراقجي حول استخدام إدارة الوقت لإرهاق الطرف الآخر بحيث تصبح “إطالة التفاوض أحيانًا مكسبًا لا خسارة” على حد قوله!
من اللحظة الأولى التي تبادلت فيها التحية معه كان السيد عراقجي حريصاً على الحديث باللغة الفارسية..ورغم إتقانه للغتين العربية والإنجليزية، لم يسمح لنفسه باستخدام احداها حتى في عبارات المجاملة التقليدية كما يفعل كثير من المسؤولين قبل بدء التصوير!
كان حواراً شيقاً وصعباً في الوقت ذاته، وحظي باهتمام كبير في وسائل الإعلام الإيرانية، بل إن بعض المواقع نشرت مقطع فيديو من كواليس الحوار يعقب فيه السيد عراقجي على أسئلتي بالقول: ” أشعر أنني في مناظرة سياسية !”.. فكان ردي : ” أنا أيضاً أتخيل أن الذي يجلس أمامي ليس وزير الخارجية بل أحد عناصر الحرس الثوري الذين قاتلوا في الحرب العراقية الإيرانية!”.. ربما فوجئ الوزير المخضرم بردي الذي أشرت من خلاله إلى معرفتي بسيرته الذاتية وأنه – قبل التحاقه بالعمل الدبلوماسي- كان ضابطاً في الحرس الثوري حتى عام 1988 وشارك في تلك الحرب! ورغم أن المواقع الإيرانية جعلت في مونتاج الفيديو إشارتي للماضي العسكري للسيد عراقجي وكأنها ثناء وإشادة به، إلا أن ذلك لم يغضبني على الإطلاق.. بالعكس تماماً.. أنتظر لقائي المقبل مع وزير خارجية يصارع ضغوط الداخل وعواصف الخارج، وينظر ملياً إلى عقارب الساعة!
مقال بقلم عمرو عبدالحميد




