الأخبار

لا اجتهاد في نص أو تأويل تغريدة “ترامب” لرفضه “المالكي” ؟ عودة احياء شبح ملف النفط مقابل الغذاء ؟

فجر اليوم|| خاص

أعداد وتحليل وتقديم صباح البغدادي

تغريدة الرئيس ترامب قبل ساعات عبر منصته “تروث سوشيال” وتحذيره شديد اللهجة من :” أن الولايات المتحدة ستتوقف عن دعم العراق إذا عاد رئيس الوزراء الأسبق إلى السلطة وسمعت أن الدولة العظيمة العراق قد تتخذ خيارا سيئا للغاية بإعادة تنصيب نوري المالكي رئيسا للوزراء ” وأضاف “في المرة الأخيرة التي كان فيها المالكي في السلطة، غرق البلد في الفقر والفوضى العارمة. يجب ألا يتكرر ذلك ” وتابع “بسبب سياساته وأيديولوجياته المجنونة، إذا تم انتخابه، فإن الولايات المتحدة الأمريكية لن تقدم مستقبلا أي مساعدة للعراق” وأكد :”أن العراق، ‌بدون مساعدة الولايات المتحدة، لن يكون لديه أي فرصة ‍للنجاح “.

ومن هذا المنطلق نستطيع ان نقول بان نص هذه ” التغريدة” لا تحتاج الى تأويل او التحريف والتغيير بناءً على الآراء الشخصية كما يحاول البعض من المحللين السياسيين اليوم ومن خلال استضافتهم في البرامج الحوارية السياسية على بعض الفضائيات الإخبارية العراقية في طرح اراء وتفسيرات بعيدة عن المنطق والواقع ؟ هذه ” التغريدة” أصبحت قطعية الثبوت والدلالة والتي لا تحتمل إلا معنى واحد فقد لا غير رفض الولاية الثالثة ؟ وانها خارطة طريق لمستقبل العراق على الأقل ما تبقى لثلاث سنوات مقبلة لحين انتهاء فترة رئاسة ترامب بالبيت الأبيض؟

هذه التغريدة حملة معاني واضحة وصريحة لا لبس فيها أو تأويل , ويبدو أن العراق مقبل على أزمة سياسية قد تتبعها تداعيات اقتصادية خطيرة. وقد تزامن ذلك مع التراجع المتسارع في قيمة الدينار العراقي أمام الدولار، إضافة إلى تلويح ترامب بوقف “المساعدات”، وهي نقطة جوهرية يجب التوقف عندها وشرحها بدقة.

فالرئيس ترامب، في تغريدته، لم يكن يقصد المساعدات الأميركية المباشرة التي تُدرج ضمن الموازنة السنوية للولايات المتحدة والمقدمة لدول حليفة مثل إسرائيل أو مصر. بل إن المقصود هنا هو أموال النفط العراقي المودعة في الحسابات الخاضعة لإشراف البنك الاحتياطي الفيدرالي الأميركي، والتي تُدار ضمن آلية مالية خاصة منذ عام 2003. وقد حصل التباس واضح حول هذه العبارة منذ الدقائق الأولى لنشر التغريدة، ليس فقط لدى الرأي العام، بل حتى لدى بعض المحللين والسياسيين الذين ظهروا في مقابلات إعلامية، رغم كونهم محسوبين على المتخصصين في الشأن السياسي. هذا الخلط ساهم في تضخيم المخاوف وإرباك المشهد، خاصة في ظل الوضع الاقتصادي الهش أصلًا. وعليه، فإن على القوى السياسية والإعلامية العراقية تحمّل مسؤولية التوضيح للرأي العام، وعدم التعامل مع التصريحات الدولية الحساسة بمنطق العصبية السياسية وانفعالي أو غير دقيق، لأن سوء الفهم في مثل هذه القضايا قد يقود إلى قرارات خاطئة وتداعيات لا يمكن احتواؤها لاحقًا.

ولذا، على جميع قوى “الإطار التنسيقي” أن تضع مصلحة العراق فوق مصالحها الحزبية والشخصية، وأن تخرج من عباءة الأنانية و«الأنا السياسية»، لأن المرحلة الراهنة لا تحتمل هذا النوع من الحسابات الضيقة والخاطئة.

ففي ظل التحشّد العسكري الأميركي المتواصل في الخليج العربي وبحر العرب، ومع بدء العدّ التنازلي لاحتمال توجيه ضربة عسكرية أميركية إلى إيران، ما لم ترضخ طهران للأمر الواقع وتجلس إلى طاولة المفاوضات وفق الشروط الأميركية المسبقة، والمتمثلة في:
إنهاء الملف النووي، ووقف برنامج الصواريخ الباليستية، وقطع الدعم عن الفصائل المسلحة خارج الحدود؛ تبدو إيران اليوم من دون أوراق حقيقية للمساومة .

وفي هذا السياق، فإن إصرار السيد نوري المالكي على السعي لولاية ثالثة اصطدم مباشرة بعقبة الرفض الأميركي، وتحديدًا موقف الرئيس ترامب. وحتى لو جرى التحضير لمظاهرات صاخبة ومنددة بهذا الرفض أمام السفارة الأميركية في بغداد، فإن مثل هذه التحركات لن تغيّر من المعادلة شيئًا.

فالمنطقة اليوم لم تعد تقف على صفيح ساخن فحسب، بل أصبحت أشبه بقنبلة أو مخزن عتاد التهمته النيران وخرج عن السيطرة، ما يعني أن الانفجار قد يحدث في أي لحظة، وسيكون ثمنه باهظًا على الأطراف الرافضة للشروط الأميركية والإسرائيلية.

إن ما يجري لا يهدد دولة بعينها، بل ينذر بتغيير جذري في الخارطة الإقليمية للشرق الأوسط، تغيّر قد يكون دائمًا، ولن يرحم من يصرّ على تجاهل موازين القوى والوقائع الدولية.

ومن يقرأ تغريدة الرئيس ترامب بصورة متأنية بعيدآ عن المواقف المسبقة ويفهم من احتوته من سطور الكلمات والجمل والعبارات فأنها لم تكن موقفًا ارتجاليًا أو انطباعًا عابرًا، بل استندت إلى ملف كامل ومتكامل حول السيد نوري المالكي وفترتي رئاسته للحكومة، وما رافقهما من أحداث وقرارات ما تزال حاضرة في الذاكرة السياسية الدولية. ويمكن تلمّس ذلك بوضوح من خلال العبارات الدقيقة التي وردت في نص التغريدة. ومهما حاول بعض أطراف الإطار التنسيقي التقليل من شأن هذه التغريدة أو التقاطها إعلاميًا بوصفها موقفًا غير ملزم، فإن الخطر الحقيقي يكمن في ما لم تتطرق إليه وسائل الإعلام حتى الآن، وهو احتمال إعادة إحياء ملف “النفط مقابل الغذاء” الذي فُرض على العراق في تسعينيات القرن الماضي. وإن إعادة هذا الملف، بكل حيثياته وتفاصيله، تعني عمليًا أن يُحصر تصدير النفط العراقي لتأمين الغذاء فقط، لا للتنمية البشرية ولا للنهوض الاقتصادي والصناعي والزراعي والدوائي ، بل إن مزاد العملة نفسه قد يتوقف نتيجة العقوبات الاقتصادية والحصار المالي الذي قد يفرضه ترامب على الاقتصاد العراقي. والأخطر من ذلك أن العراق اليوم لا يمتلك قاعدة صناعية أو زراعية تمكّنه من الصمود في ظل مثل هذه الظروف، إذ يعتمد اقتصاده بشكل شبه كلي على تصدير النفط كمصدر وحيد للعملة الصعبة. أي خلل في هذا المسار يعني شللًا اقتصاديًا شاملًا. ولذلك، على السياسيين وقادة الأحزاب، الذين ما يزالون متشبثين بأوهام السلطة والعظمة، أن يدركوا أن اليوم ليس كالأمس، وأن أي قرار خاطئ ستكون عواقبه وخيمة، وقد يعيد العراق إلى مأساة “النفط مقابل الغذاء”، وإلى توزيع المواد الغذائية عبر البطاقة التموينية التي تقلصت اليوم إلى ثلاث مواد كل ثلاثة أشهر، وبنوعيات رديئة لا تليق بشعبٍ غني بثرواته.

إن العراق بحاجة ماسة إلى استعادة عقيدته الوطنية العراقية، تلك التي سُرقت واستُبدلت بعقيدة الدفاع عن المذهب والطائفة العابرة للحدود. فإيران، مهما كانت شعاراتها الصاخبة لنصرة العراق ، لن تنقذ الاقتصاد العراقي لان اقتصادها يعاني أصلا من تبعية العقوبات وحتى علمتها الرسمية الريال قد تدهورت بصورة كارثية حتى ان كلفة طباعة العملة أصبحت اكثر وبمراحل من قيمتها الحقيقية ، ولذا فان تدهور الدينار العراقي ستكون نتائجه كارثية على مجتمعٍ مستهلك لا منتج. اليوم نمر بلحظة مصيرية، إما أن يُقدَّم الوطن على المصالح الحزبية، أو أن يدفع العراقيون مرة أخرى ثمن أخطاء لم يكونوا طرفًا فيها. وإن تدهور الدينار العراقي ليس مجرد رقم في سوق الصرف، بل إنذار مبكر بانفجار اجتماعي محتمل، في بلدٍ يشكّل الاستهلاك عموده الاقتصادي، ويعاني من غياب الإنتاج الحقيقي.

أن قوى ( الإطار التنسيقي) التي قدّمت السيد المالكي ، وتحديدًا لإدارة البيت الأبيض، بوصفه الشخصية الوحيدة القادرة على نزع سلاح الفصائل الولائية المسلحة، ولا سيما حزب الله العراقي، وحركة النجباء، وجند الإمام، وغيرها، عبر إقناعها بالتخلي عن السلاح مقابل امتيازات مالية ومشاريع اقتصادية وضمانات سياسية. غير أن هذا الطرح يفتح الباب أمام سؤال بالغ الخطورة مفاده : ماذا لو رفضت قيادات هذه الفصائل تلك الامتيازات، وتمسكت بسلاحها؟

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى