فجر اليوم || خاص
حينما تنقلب الخناجر: هل خسرنا قلوب الأشقاء قبل أن نخسر مباراة؟
بقلم: راشد بن ضيف الله العنزي
لم تكن مجرد صافرة حكم، ولا مجرد خسارة في كرة القدم؛ فقد كانت “الصافرة” التي أيقظت فيّ ألمًا غائرًا، وشعورًا بالخذلان يتجاوز أبعاد المستطيل الأخضر. لقد آلمني وأحزنني بشدة، بل وأثار استغرابي الممزوج بالمرارة، ذلك المشهد الذي تناقلته منصات التواصل؛ احتفالات صاخبة في شوارع بعض مدن الجنوب اليمني، ابتهاجاً بهزيمة المنتخب السعودي أمام نظيره الإسباني.
يا للمفارقة! احتفالات لم تشهدها شوارع مدريد ولا ساحات برشلونة بذات الزخم الذي رأيناه هناك، وكأن الفوز كان معركة استردوا فيها أرضاً، أو نصراً استعادوا به كرامةً مهدورة.
أقف اليوم أمام هذا المشهد حائراً، متسائلاً بمرارة: ما الذي حدث؟ وكيف تحول هذا الشعب الأصيل، الذي لطالما كان سنداً وكتفاً، والذي قدم فلذات أكباده فداءً للمملكة وأمنها واستقرارها، إلى طرف يجد في انكسارنا الرياضي مادةً للبهجة وإطلاق الألعاب النارية؟
كيف تحول الحليف التاريخي، والجار الذي تقاسمنا معه الملح والدم، إلى محتفل بهزيمتنا؟
لا يمكنني أن أقرأ هذا المشهد كـ “فرحة كروية عابرة”. بل هو “صرخة صامتة” أو ربما “غضب مكتوم” خرج في ثوب شماتة كروية.
لقد تحولت الملاعب إلى مرآة عاكسة لشرخ عميق في العلاقة، لعلنا تجاهلناه طويلاً. إن وصول الأمر بالشعب اليمني -الذي عرفناه بالشهامة والوفاء- إلى هذه الحالة من العداء الرمزي، يعني أن هناك جرحاً غائراً في ثقتهم بنا، وجرحاً أعمق في نظرتهم لسياساتنا.
هل خذلناهم؟ هل أصابتهم خناجر السياسة في مقتل، حتى أصبح انكسارنا في مباراة هو متنفسهم الوحيد للتعبير عن خيباتهم المتراكمة؟
إنني أدعو -بصوت عالٍ ومخلص- إلى مراجعة شاملة، جريئة وصادقة، لسياساتنا تجاه هذا الشعب. إذا كان هذا الشعب الأصيل، الذي كان ذات يوم خط الدفاع الأول عن أمننا ومصالحنا، قد وصل إلى مرحلة الاحتفال بسقوطنا، فإننا أمام ناقوس خطر حقيقي.
إن التاريخ لا يرحم، وشعوب المنطقة ذاكرتها لا تنسى. ستصيبنا لعنة الجحود إن لم نراجع مواقفنا، وستلاحقنا خيبة الخذلان إن لم نبادر بتضميد جراحهم قبل أن يبتلعنا جميعاً طوفان الجفوة والعداء.
فالأصدقاء لا يولدون أعداء، بل نحن من نصنع أعداءنا بسياساتنا أحياناً، أو بتجاهلنا لآلام الحلفاء.
استفيقوا، فالحليف الذي يخسر قلبه، لا يمكن لأي مال أو سلاح أن يعيد استرداده
