سقطة التاريخ العظمى:لماذا تُعدّ مواجهة اليمن فخاً استراتيجياً ومخاطرة وجودية؟

فجر اليوم || خاص
على مر التاريخ، كانت الحروب الكبرى تُحسم بالسياسة وتُدار من الميدان، لكن التاريخ الإنساني الحديث يشهد بدعة سياسية غير مسبوقة: حكومة تُدير شعباً من خارج الحدود، وتعلن الحرب من عواصم الغرب والخليج لا من أرض الوطن! إن المقارنة وحدها تكفي لكشف حجم المفارقة؛ فحتى في أقسى الظروف وأعقدها، كانت القيادات الفلسطينية كمنظمة التحرير والسلطة الفلسطينية عبر محطاتها المختلفة تُدير شؤونها وصراعها من على أرضها في الضفة الغربية وغزة. أما أن يُفرض على شعب عريق حكومة شرعية وُلدت وترعرعت وقضت سنينها في فنادق الرياض، فتلك سخرية سياسية لا تنبئ إلا عن فشل مسبق وقراءة عمقها الوهم وسطحية الأطماع.
إن التلويح بخيار الحرب المباشرة أو الانخراط العبثي ضد اليمن ليس سوى فخ استراتيجي محكم، دُبر بعناية ووقعت فيه أطراف إقليمية سابقة، ودفع ثمنه المخدوعون بأطماع نفوذ وهمية وووعود كاذبة.
أولاً: وهْم “الشرعية” المفقودة واستهانة التحالف
تاريخياً، سقطت دول التحالف في فخ الاستهانة بالشعب اليمني، منطلقة من وهم القدرة على حسم معركة عسكرية في أسابيع معدودة. اعتمدت تلك الدول على واجهات سياسية هشة أُطلق عليها زوراً “حكومة شرعية”، بينما هي في الواقع مقيمة خارج الجغرافيا اليمنية تماماً. هذه الوصاية الخارجية أفرغت أي تحرك عسكري من دافعه الوطني، وحولته إلى حرب عبثية تُدار بأجندات خارجية لا علاقة لها بمصلحة اليمن ولا بمحيطه العربي، بل بخدمة مصالح ضيقة انتهت بالتخلي عن تلك “الشرعية” نفسها على طاولة الصفقات الإقليمية.
ثانياً: مصر وفخ سيناء وقناة السويس
إذا تمعنا في الواقع الاستراتيجي لأي دولة عربية كبرى مثل مصر وفكرت بالانزلاق إلى هذا المستنقع العبثي ودخول حرب مباشرة مع اليمن، فإن الحسابات العسكرية والجيوسياسية تؤكد أن الخسائر ستكون فادحة وباهظة الثمن على الأمن القومي:
- شريان التجارة العالمية (قناة السويس): أولى الخسائر الاستراتيجية ستطال قناة السويس مباشرة. إن أي توتر أمني في البحر الأحمر ومضيق باب المندب سيؤدي حتماً إلى شلل شبه تام في الملاحة العالمية، وتحويل المسارات نحو رأس الرجاء الصالح، مما يحرم مصر من أحد أهم مواردها الاقتصادية الحيوية.
- التهديد الوجودي لسيناء: إن أخطر ما في المشهد هو أن انشغال مصر في جبهات جانبية يعفي الجانب الإسرائيلي من أي ضغوط، ويترك شبه جزيرة سيناء مكشوفة أمام أطماع صهيونية معلنة لم تعد تُخفى، حيث تتربص تل أبيب بالمنطقة وعينها على سيناء ومخططات التوسع.
- الخسائر في الأرواح والبنية التحتية: المنشآت الحيوية الاستراتيجية في مصر ستكون في مرمى الصواريخ والمسيرات لمن أثبت قدرته الميدانية الفائقة على إصابة أهداف بالغة الدقة في العمق الإسرائيلي.
ثالثاً: دروس الميدان.. عندما ترتعد أعتى القوى
بالعقل والمنطق العسكري المجرد، هل يمكن لدول التحالف الإقليمي أن تكون أقوى من الولايات المتحدة الأمريكية أو أشد بأساً من إسرائيل؟
انكسار الهيمنة الأمريكية: لقد شهد العالم كيف أُجبرت الأساطيل الأمريكية والبريطانية على مغادرة أجزاء واسعة من البحر الأحمر وبحر العرب، وكيف رضخت واشنطن لواقع فرض قواعد إشتباك جديدة أرغمتها على البحث عن صفقات واتفاقيات تهدئة وعدم اعتداء بعد أن عجزت عن حماية سفنها وحلفائها.
عجز المنظومة الإسرائيلية: الدولة العبرية، مدعومة بأحدث التكنولوجيا العسكرية الغربية، عجزت طوال الأشهر الماضية عن توفير مظلة حماية حقيقية لموانئها ومنشآتها الحيوية التي تعرضت لضربات دقيقة وموجعة قادمة من اليمن.
الخاتمة: العقل السيادة والحكمة طوق النجاة
إن الحرب على اليمن ليست نزهة عسكرية، بل هي محرقة استراتيجية لكل من يحاول تجاوز حقائق الجغرافيا والتاريخ. من استطاع إخضاع أمريكا وإرباك حسابات إسرائيل قادر بكل تأكيد على قلب الطاولة في أي مواجهة إقليمية.
إن الدرس المستفاد لكل عاقل ولكل دولة تبحث عن استقرارها هو الابتعاد عن الفخار الزائف، وإدراك أن أمن الأمة العربية والإسلامية لا يتم عبر الانخراط في حروب عبثية دمرت الدول واستنزفت الشعوب، بل عبر الحوار، ورفض التبعية، واحترام إرادة الشعوب الحية التي لا تموت.
هل ترغب في تعديل بعض زوايا المقال أو إضافة نقاط محددة لتعزيز جانبه السياسي أو الاقتصادي؟
سيف النوفلي




