فجر اليوم || خاص
في تاريخ اليمن الحديث، ثمة شخصيات تقف خلف الكواليس، تحرك الخيوط بيد وتمسك بسبحة الوطنية باليد الأخرى، حتى يصعب تمييز أين تنتهي المصالح الشخصية وأين تبدأ حدود الوطن. شاهر عبد الحق، الرجل الذي لم تلتقط له صورة رسمية واحدة، كان يمثل “العدم المرئي” الذي أدار اقتصاد الموت والحياة من وراء الستار. الملياردير الذي بدأ مسيرته بقرض ميسر لتمويل بناء فندق في صنعاء، انتهى به المطاف أحد أربعة أكثر ثراءً في الشرق الأوسط، وإمبراطوراً عالمياً يتجاوز نفوذه حدود الرؤساء والملوك، ومقاولاً دولياً في مطبخ المخابرات العابرة للقارات.
البدايات: لغة “كينيا” وصفقة الولاء لواشنطن
لم يكن شاهر مجرد مترجم لغوي، بل كان “مترجماً للفرص”. فبينما كان القادة يتصارعون في جبهات القتال، كان الشاب العائد من كينيا بلسانه الإنجليزي ينفذ إلى قلب القرار في عهد الرئيس السلال. وبحسب وثائق الخارجية الأمريكية (1965)، كان شاهر يدفع “راتباً سرياً” للسلال، وعرض على واشنطن صفقة كبرى: “إعادة توجيه ولاء السلال والنظام الجمهوري من القاهرة إلى البيت الأبيض”. لقد كان شاهر يبني إمبراطورية من العلاقات السيادية قبل أن يضع حجراً واحداً في فندق “تاج سبأ”.
الحمدي وشاهر: حين اصطدمت “السيادة” بـ “الاحتكار”
دخل شاهر في مواجهة مع إبراهيم الحمدي، الذي رأى فيه تجسيداً للارتهان الاقتصادي. فبالنسبة للحمدي، كان شاهر يمثل “ثقباً أسود” يبتلع امتيازات الدولة دون مقابل؛ ففندق “تاج سبأ” ظل هيكلاً خرسانياً عارياً لسنوات رغم الإعفاءات، في وقت كانت فيه صنعاء تفتقر لأبسط دور الضيافة. لم يتردد الحمدي في كسر “قدسية المال”، فأودع شاهر المعتقل حتى يتم الوفاء بالالتزامات.
أنجز شاهر الفندق تحت سطوة المؤسسة، لكنه حوله لاحقاً إلى فخ استخباراتي يعج بالجواسيس. وفي مفارقة تراجيدية، مات شاهر عام 2020، في ذات التاريخ الذي رافق فيه “الفرنسيتين” إلى صنعاء عام 1977، ليتحول فندقه وقتئذ إلى مسرح لأخطر عملية “اغتيال معنوي”. بجهود شاهر اللوجستية، وُظف وجود الفتاتين لخلق مشهد مسموم استهدف وأد أسطورة الحمدي في نفوس اليمنيين صبيحة الاغتيال، وتحويل دمه من وقود لثورة إلى مادة لـ “الفضيحة”.
شاهر وصالح: “الشركة” التي أدارت وطناً
علاقة شاهر بصالح والغشمي لم تكن علنية ومصدرها شهادات. ربما بدأت العلاقة في أسمرا مطلع السبعينيات، لكن لقاء القاهرة 1976 لم يكن عابراً؛ ففي ذلك الحين بدأ قرار تصفية الحمدي ينضج في أروقة مخابراتية دولية، بالتزامن مع بروز نجم الحمدي كلاعب إقليمي في قمة سريلانكا. كان “الحبل السري” بين صالح والقوى الدولية هو الرجل ذاته، حيث مهد طريق صعود صالح برافعة مالية ضخمة بلغت 30 مليون دولار فورية لشراء الولاءات الصامتة وتزييت مفاصل القبيلة.
ومنذ تلك اللحظة، تأسست أضخم “شركة إدارة” في تاريخ اليمن: صالح يدير الدولة بقبضته العسكرية، ويحوّل الإيرادات والامتيازات إلى جيب شاهر، بينما يقوم الأخير بإدارة وتنمية الأموال لكليهما في الخارج. تحت هذا الغطاء، ابتلع شاهر مفاصل اليمن عبر احتكارات كبرى؛ من واردات السكر إلى توريد السلاح للجيش وعقود النفط، وصولاً إلى تأسيس “بنك اليمن الدولي” الذي احتكر العملة الصعبة وصار سلطةً موازية للبنك المركزي ذاته.
حياة “المافيا الدولية”: التبغ والقات العابر للقارات
لم تكن حدود اليمن سوى نقطة انطلاق لأخطبوط تمدد في القرن الأفريقي، حيث امتلك مزارع تبغ في إثيوبيا تعادل مساحة لبنان. كان شاهر يعيش حياة تتجاوز خيال الأثرياء؛ ينتقل بطائرته الخاصة بين المطارات بمعاملة استثنائية، ويُنقل إليه “القات” يومياً بمروحية خاصة إلى أي عاصمة يحل فيها، في استعراض صارخ لنفوذ يمزج بين سطوة المال وشبكات المافيا الدولية التي كان جزءاً من مطبخها السري.
ترحيل الفلاشا ومراسلات “جزيرة الشيطان”
تغلغل شاهر في أعمق العمليات الاستخباراتية؛ ففي عهد النميري، كان له دور لوجستي في ترحيل يهود الفلاشا إلى إسرائيل. وحتى في العراق، باع “نفط صدام” لجهات مرتبطة بإسرائيل، مما كاد يودي برأسه لولا تدخل صالح الشخصي.
لكن الفصل الأكثر إثارة للريبة هو ما كشفته مراسلاته مع جيفري إبستين (صاحب جزيرة الشيطان)؛ حيث اقترح شاهر تدخل إسرائيل لدى واشنطن لوقف ضربات التحالف عن صالح مقابل عرض “تطبيع كامل” على طريقة السادات، يبدأ بالسماح لليهود اليمنيين بزيارة صنعاء مباشرة. لقد كان مستعداً للمقامرة بكل شيء –منذ 2011– لضمان بقاء العرش الذي يمول إمبراطوريته.
الخاتمة: قبران في أكتوبر
في 11 أكتوبر 1977، سقط إبراهيم الحمدي. ترك خلفه خزينة دولة مُقرضة، وفائضاً في الميزانية، ومشروع وطن لم يكتمل. لم يترك دولاراً في بنك سويسري، ولا شقة في لندن، ولا فيلا في باريس. ترك فقط جسداً مثقوباً بالرصاص، وذكرى توحد اليمنيين، ودولة كانت تسير في الاتجاه الصحيح.
في 5 أكتوبر 2020، صرع السرطان شاهر عبد الحق في مشفى ألماني. ترك خلفه إمبراطورية تمتد من أديس أبابا إلى لندن، ومن بغداد إلى واشنطن. فنادق تطل على العالم، ومصانع تبغ تختنق بها أفريقيا، وبنوك احتكرت عملة بلد طحنه الجوع. ترك أيضاً وطناً ممزقاً، وأسئلة بلا إجابات، وصورة شخص واحد لا يملكها أحد.
وقبله رحل شريكه صالح، مخلفاً عشرات المليارات من الدولارات الموزعة في صناديق الظل العالمية. رجلان مقابل شعب جائع؛ ثروة كان بعضها كفيلاً بإطعام شعب كامل لسنوات، لكنها ذهبت لإشباع نهم “الشركة” التي أكلت الدولة، وانتهت حياة مؤسسها عند أحلام إنتاج مشروب القات العابر للقارات، بينما بقي الحمدي خالداً في ضمير التراب الذي لم يخن أحداً.
سليمان السقاف
17 فبراير 2026
