الأخبار

هذا ماحدث قبل شهر من عملية طوفان الأقصى : إسرائيل وأمريكا تستعدان لتوجيه الضربة القاضية لـ « حزب الله و الحوثيين و الحشد » وكيف حدثت التغييرات الاستراتيجية الصادمة في الشرق الاوسط واين توقف الخوف الخليجي( تفاصيل ساخنة)

فجر اليوم //

كتب الباحث في العلوم السياسية والعسكرية الدكتور” احمد عز الدين” دراسة سياسية عميقة ومقتضبة تحت عن عنوان « طوفان الاقصى في الميزان الاستراتيجي » كشف فيها التحركات السياسية و العسكرية و الاستخباراتية الأمريكية والإسرائيلية في المنطقة خلال الايام التي سبقت عملية طوفان الاقصى.

وضمن السلسلة البحثية كتب عز الدين قائلا :
طوفان الاقصى (١)
أكثر ما يمكن أن نقع فيه من خطأ ، أن يتم احتجاز الناس في اللحظة الراهنة ، فلا يرون ما قبلها ولا ما بعدها، ذلك أن أكثر المحاولات إلحاحا الآن ، هي التي يتم ، بذلها من أجل إقناع جمهور عربي واسع ، بأن ( طوفان الأقصى ) هو الذي فتح سماوات المنطقة كي تهبط منها مقدمات الحرب العالمية الثالثة بالمظلة الواقية ، فهو الذي استدعى الأساطيل والمدمرات والغواصات وأسراب الطائرات ، في مياه المتوسط والأحمر ، وبالتالي فهو الذي يتحمل المسئولية كاملة عن تصدع أمن الإقليم ، وعن نذر صدام كبير وحريق هائل ، ستتحول فيه أجزاء كبيرة إلى وقود، بينما كانت ورود السلام تتفتح في هدوء ، ومعزوفات التطبيع تصدح بين التخوم .
والحقيقة أن ذلك كله محض وهم ومحض إيهام ، فقد كان الإقليم كله يُدفع دفعا إلى حالة مماثلة ، يجري بناء قواعدها بدأب ، وكانت الولايات المتحدة وإسرائيل يقطعان الطريق إليها عدوا ، ولذلك كان توقيت الدخول الاستثنائي لــ ( طوفان الأقصى ) في عمق المشهد عنصرا مباغتا ، ومفاجئا ، وضاغطا ، أضاف متغيرات عاصفة أمام الإستراتيجية الأمريكية أربكت الحسابات ، وعدلّت في الموازين .
أولا : في خطابه قبل أسابيع أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة عمد نتنياهو إلى التأكيد على أمرين ، كان أولهما إبراز خريطة جديدة لإسرائيل تضم غزة والضفة الغربية كاملتين معا ، وكان ثانيهما أنه ضغط في خطابه على دمج مفردة تتعلق باستخدام السلاح النووي ، بينما تم استبدالها وحذفها من الخطاب عند طباعته وتوزيعه .
وفي التوقيت نفسه تقريبا كان الجيش الإسرائيلي ينهي مناورة عسكرية ،استمرت ثلاثين يوما استخدمت فيها جميع المنظومات من غرفة قيادة واحدة ، واستخدمت فيها كافة المنصات بالذخيرة الحية من القبة الحديدية إلى مقلاع داوود ، وحيتس 2 ، وحيتس 3 ، وتحركت على عدة محاور ، غزة جنوبا ، وحزب الله شمالا ، والشمال الشرقي ثم إيران ، بينما كانت الطائرات الإسرائيلية تخوض تدريبا على التزود بالوقود في الجو ، في مناورات امتدت من إسرائيل حتى أسبانيا ، باعتبارها تطبيقا عمليا على المسافة من إسرائيل إلى إيران .
ثانيا : أن الولايات المتحدة وقبل بضعة أسابيع من ( طوفان الأقصى ) اتسعت تحركاتها العسكرية ، وأثقلت ميزان تواجدها العسكري في الإقليم ، على نحو بالغ الوضوح ، وفيما يبدو لي فإن مجمل هذه التحركات وما صاحبها من زيادة في ثقل الوجود العسكري الأمريكي ، كان يعني في المحصلة النهائية إعادة تشكيل وتهيئة المسرح الإقليمي تمهيدا لعملية عسكرية كبرى .
لقد أعادت الولايات المتحدة قبيل عملية طوفان الأقصى أجواء الغزو الأمريكي للعراق ، فقد اتسعت تحركات الأسطول السادس في البحر الأبيض ، والخامس في البحر الأحمر ، ووصلت إلى المنطقة حاملتي الطائرات أبراهام لنكولن وجورج واشنطن ، وكان آخر وصول سابق لهما في عام 2003 مع الفتح الإستراتيجي لضرب العراق ، في الوقت الذي تم فيه تعزيز القواعد الأمريكية في الخليج ، فقد تم زيادة أعداد القوات الأمريكية في العراق بنسبة 25% ، وفي الكويت بنسبة 20% ، وفي 6/8/2023 كان وزير الدفاع العراقي ، وعدد من القيادات العسكرية قد تم استدعاؤهم إلى واشنطن ، حيث أبلغوا رسميا بأن الولايات المتحدة تتجه إلى بناء منطقة عازلة ، بين التنف في الأردن والوليد في العراق ، والبوكمال في سوريا والقائم في العراق ، وأن الولايات المتحدة ستمسك بهذه المعابر من الناحية السورية مع إبعاد قوات الحشد الشعبي عن هذه المعابر ، وعن محافظتي نينوى والأنبار في العراق ، وعن مناطق غرب الفرات لمسافة لا تقل عن 30كم ( لقطع الإمدادات عن حزب الله إذا استمرت المواجهات معه لمدة شهر واحد حسب التقدير الأمريكي ) ، بينما أرسلت أمريكا إلى أربيل في شمال العراق قاذفات ثقيلة من طراز بي 52 ، وتحركت من قاعدة الأسد التي تم دعمها بسد ناري ، أرتال من القوات الأمريكية دخلت إلى سوريا ، لتعزيز القواعد الأمريكية هناك ، مع سعي أمريكي واضح لاحتلال شرق الفرات وربط محافظات السويداء ودرعا والتنف ، بينما كان يتم في شمال شرق الأردن تعزيز قاعدة التنف مع تدريبات بالذخيرة الحية ، لمواجهة احتمالات متوقعة للهجوم بطائرات مسيرة ، في وقت كانت القاعدة البريطانية قرب عمان تستقبل مزيدا من القوات .
وحين رست إحدى حاملات الطائرات الأمريكية ، على سواحل اليمن قرب باب المندب ، توجه أحد الصحفيين بالسؤال إلى بايدن قائلا : ” أليس من حق هؤلاء العرب في البحر الأحمر ، أن يعرفوا لماذا دخلت البحرية الأمريكية إلى هناك.؟ ” ، وجاءت إجابة بايدن مشحونة بكثير من الخيلاء والاستعلاء ، والإحساس بسطوة القوة ، وامتلاك المكان ، فقد أجاب بالنص : ” هذا ليس من شأنهم ” .
لقد كان ذلك كله سابقا على ( طوفان الأقصى ) ، وقبل أن تدخل بعد ذلك حاملة الطائرات ” جيرالد فورد ” تصاحبها 6 قطع بحرية ، وغيرها من القوة البحرية الأمريكية ، وقبل أن يتم دخول السفينتين الحربيتين البريطانيتين ( إكواس ، وليم باي ) وقبل أن تتمدد قوات الناتو إلى شرق المتوسط ، وقبل أن يصبح تعبير ( الردع الإقليمي ) هو العنوان الثابت في الأحاديث المكررة للبنتاجون .
إن أولئك الساخطين على ( طوفان الأقصى ) لأنها أربكت حسابات السلام والتطبيع والاستقرار ، بائسون ، ويائسون ، وهم لا يرون من المشهد إلا بعدا وهميا ضيقا ، لأن (طوفان الأقصى ) لم يربك حسابات السلام الزائف ، ولا الاستقرار الهش ، وإنما أربك حسابات الحرب ، بينما كانوا يمهدون المسرح الإقليمي لها ، ويوقدون نارها .


طوفان الأقصى (2)

لا أعرف كيف استخلص البعض من الجزء الأول في هذه المحاولة ، أن في ثناياها ما يعني ، أن طوفان الأقصى كان حدثا مصنوعا أو مدبرا ، لتأخذ الإستراتيجية الأمريكية في تفعيل قواعدها وقواتها ، ذلك أنني قلت بالحرف الواحد أن ” طوفان الأقصى لم يربك حسابات السلام الزائف ، ولا الاستقرار الهش ، وإنما أربك حسابات الحرب ، بينما كانوا يمهدون المسرح الإقليمي لها ، ويوقدون نارها ” .
ثم أن ما كتبته في هذا الحيز ، هو مجرد تكثيف شديد لما كتبته على امتداد عامين في الأقل ، عن تحولات الإستراتيجية الأمريكية ، فقد كان تقديري مبكرا جدا ، أن الاستدارة الإستراتيجية الأمريكية من أفغانستان هدفها الشرق الأوسط تحديدا دون سواه ، فقد أعلنت أمريكا انسحابها من أفغانستان في 31 أغسطس 2021 وبدأت أول مناورة بحرية بين الأسطول الخامس وبين البحرية الإسرائيلية في باب المندب في اليوم التالي مباشرة ، أي في يوم 1 سبتمبر 2021 .
لقد شارك الرئيس بايدن في جلسة اجتماع لمجلس الحرب الإسرائيلي ، وتطلع مبتسما إلى الخرائط العسكرية ، ومنحها الرضا والمباركة ، لكن أكثر ما استوقفني فيما تسرب أو سُرب من مناقشات وتعليقات من الجانبين في هذه الجلسة ، هو ما قاله أحد القادة العسكريين الإسرائيليين كتقدير موقف من جانبه ، وكان نصه تقريبا : ” إذا لم نحقق في هذه الحرب نصرا حاسما ، فسوف نفقد المكانة ولن نستطيع تنفيذ خططنا الإستراتيجية ” ، وفيما أحسب فقد كان تقدير موقف صحيح على هذا الجانب ، لكننا إذا عكسناه على الجانب الآخر ، أقصد الجانب العربي ، فسوف يعبر بدوره عن تقدير موقف دقيق وصحيح ، أي أننا إذا لم نمنع إسرائيل في الحد الأدنى من تحقيق نصر حاسم ، فإننا لن نفقد المكانة فقط ، ولكننا سنفقد المكان أيضا ، ذلك أننا لن ندخل في مرحلة (النكسة) ، وإنما في مرحلة (النكبة) .
في حرب 1948 لم تكن هناك شاشات يمكن أن ترى فيها بيوتا تتهدم بالقنابل والصواريخ فوق ساكنيها ، ومستشفيات تفجر فوق جرحاها وأطقمها الطبية ، لم ير أحد فوق الشاشات شهداء وضحايا وأشلاء أطفال ، ودماء تفيض ساخنة من صنابير مفتوحة ، حتى لكأنها تكاد أن تقطر من الشاشات فوق المقاعد ، وأطباق الطعام، وملابس المشاهدين، وأسرّة النوم .
إن الناس في عموم الإقليم يحقنون في وجبات متتالية بفيروسات نشطة تحت جلودهم ، سرعان ما تتكاثر وتتضاعف ، وكلما اشتد قوس الغضب تحت تأثيرها ، مع غلبة الإحساس بالعجز والهوان ، كلما أطلق هذا القوس سهاما مشتعلة تصوّب نفسها في كل اتجاه ، وأي اتجاه .
إن نتائج حرب 1948 التي حيل فيها بين الجيوش العربية من أن تمنع العدو من أن يحقق نصرا حاسما ، سرعان ما تحولت إلى زلزال عصف بكل الأبنية السياسية والفكرية والمجتمعية بل والثقافية ، حتى وصل إشعاعه إلى عامود الشعر العربي نفسه ، فعمد إلى تحطيمه كغيره من الأبنية والقواعد ، لتدخل الأمة بكل عواصمها الحضارية التاريخية ، في مراجعة شاملة بالقوة الجبرية أزالت بموجبها النخب والطبقات والخلايا القديمة ، التي أصابها كثير من الوهن والتآكل ، لتجدد نفسها قبل أن تجد نفسها في مواجهة مرحلة ممتدة من الصراع .
إن بايدن لم يتجاوز الصواب عندما قال حرفيا في تل أبيب : ” نحن في لحظة فارقة في التاريخ ، والقرارات التي سنتخذها الآن ، ستحدد المستقبل لعقود قادمة ” وقد كان لزاما أن يكون رجع الصوت على الجانب الآخر : ” نحن أيضا في لحظة فارقة في التاريخ ، والقرارات التي سنتخذها الآن ستحدد ما إذا كنا سنبقى في التاريخ أو سنخرج منه لعقود قادمة ” .
باختصار أرجو ألا يكون مخلا ، فإن الهدف الإستراتيجي الحال لأمريكا وإسرائيل والغرب عموما ، هو تحقيق انتصار حاسم ، أي انتصار إستراتيجي ، وهو ما يُعرّف بأنه ما يبقى على نتائجه الزمن ، وذلك ما يتحتم معه أن يكون الهدف الإستراتيجي العربي والإقليمي المضاد ، هو منعهم أيا كانت التصورات أو الأدوات ، أو الأسلحة ، من تحقيق انتصار إستراتيجي على غرار حرب عام 1948 أي انتصار يبقى على نتائجه الزمن .
ودون ذلك فإن بواطن الخطر، ستكون أكبر بكثير من مظاهر الزلل .

طوفان الأقصى (3)

تتزاحم بعض التصورات وتقديرات الموقف في الأفق العربي ، لكنها تبدو كأنها تنمو من بذور خوف حول بركة الدم الفلسطيني ، فهي في مجملها لا تستهدف إلا أمرا واحدا ، هو تخفيض درجة الإحساس الوطني والقومي بالخطر .
إن هناك من يحاول أن يصور لنا إمكانية إجلاء وتحميل كل الأساطيل والمدمرات والغواصات في البحر الأحمر وشرق المتوسط ، فوق قاطرة مرتقبة أسمها الهدنة وتبادل الرهائن ، فإتمام صفقة الرهائن سيكون وفق تصورها ما بعد الطلقة الأخيرة ، سواء في الحرب على غزة أو في الإستراتيجية الأمريكية الممتدة في الشرق الأوسط ، وحينها سيوضع ما سبق كله بين قوسين ، وسيذهب الإسرائيليون إلى مواجهة أوضاعهم الداخلية المأزومة ، وسيذهب نتنياهو إلى منفاه السياسي او سجنه ، وسيذهب الفلسطينيون إلى التقاط بقيا شهدائهم من تحت الأنقاض ، وتوسيع حدود قبورهم .
إن مثل هذا التفكير البائس لا يرى فيما حدث ، إلا كثيرا من بقع الدماء تمددت فوق جدران في الشرق الأوسط ، يمكن إزالتها ببعض المساحيق ، لكنه ليس بعيدا عن أحلام يقظة تحت وطأة الخوف من احتمالات المستقبل ، فالطوفان الذي بدأ في السابع من أكتوبر ، ليس قابلا لأن تشربه رمال المنطقة أو أفواهها دفعة واحدة ، كي ترسو على الفور سفينة الإقليم فوق الجودي ، إضافة إلى أن اندفاعة الإستراتيجية الأمريكية في الإقليم وفي القلب من أولوياتها مرحلة غزة ، لن تتراجع عجلاتها الحربية إلى الوراء ، فمازال سهم غزة ، مشدودا في قوس أمريكا وإسرائيل وعدد من دول الغرب، في مقدمتها بريطانيا وفرنسا وألمانا ، وهدفه تحديدا لا يخرج عن مسارين :إما دفع سكان غزة عنوة وبالقوة المسلحة بعد تقطيعها وتمزيق أوصالها للخروج إلى جنوبها ، ثم من رفح الفلسطينية إلى رفح المصرية ، وإما مع بقاء حائط الرفض والصد المصري، إلى إسقاط السلاح الفلسطيني وهزيمته ، ثم نزعه بالمطلق وفرض أحد المسارين السابقين على ما تبقى من الضفة الغربية ، وهذه هي رؤوس الجسور المباشرة التي تعكسها التحركات فوق مسرح العمليات ، وما يتدفق من الشرايين الأمريكية والغربية إلى قلب إسرائيل ، من قوات وأسلحة وذخائر ، وأعمال مخابرات تقودها بشكل مباشر ال (سي أي دي) المخابرات العسكرية الأمريكية ، إضافة إلى هذا الفيض من التقديرات والوثائق التي يتم إلقاؤها في وجه الحكومات والجيوش والرأي العام على أنها مجرد تسريبات خرجت بالمصادفة من حيز السرية إلى العلن ، من مذكرة بايدن إل الكونجرس بطلب مخصصات مالية لــ ( دعم الفلسطينيين المهجرين إلى الدول المجاورة ) إلى تقرير معهد الإستراتيجية والأمن القومي في إسرائيل الذي يقوده مائير شابات مستشار الأمن القومي ، إلى دراسة معهد “ميشجاف” ، إلى الوثيقة الأخيرة التي نشرها على موقعه “أبيتان أبيشتاين” ، وجميعها أيا كانت التصورات أو التفاصيل تتجمع كالطلقات في لوحة تنشين واحدة .
إذا كان هذا جانب من المشهد ، فإن الجانب الثاني يعكس وجها آخر تماما ، فعلى كافة المحاور تدور معارك تصادمية مباشرة ، بين نمطين : الأول ، يجمع – أولا – بين الإبادة في تحول واضح لقصف الطائرات الإسرائيلية من أسلوب أقرب إلى انتقاء الأهداف ، إلى ما هو أقرب إلى الضرب المساحي ، وثانيا ، محاولات الاختراق في العمق وأوضحها عبر ثلاثة محاور ، في الشمال والشرق والوسط ، مصحوبة بهجمات شاملة جوية وبحرية ، وثالثا ، الإزاحة أي إزاحة المدنيين من الشمال إلى الجنوب .
أما النمط الثاني ، فهو يعتمد في الأغلب على الكمائن حد الاشتباك من المسافة صفر متسلحا بإرادة قتال صلبة ، وتكتيك مبهر ، وتماسك ميداني واضح ، إضافة إلى عمليات منتقاة للالتفاف خلف خطوط العدو ، ولقصف مواقع في العمق ، وهو ما لم تستطع معه أرتال الدبابات والمدرعات الإسرائيلية مدعومة بعناصر دلتا الأمريكية ، أن تقيم رأس جسر واحد أـو نقطة ارتكاز واحدة فاصلة وثابتة ، مع نزيف هائل في الخسائر فوق مربعات جغرافية محدودة المساحة .
في الصورة الدقيقة فإن حسابات المعركة الدفاعية من جانب المقاتلين الفلسطينيين واضحة ، سواء في شقها التكتيكي ، وجسارتها الميدانية ، والأهم في قدرتها العالية على ( امتصاص الخسائر ) وهو أمر بالغ التأثير في حسابات معادلات القوة المباشرة ، بين الهجوم والدفاع ، حد قلب موازين القوة في معادلاتها المباشرة ، لكن حسابات المعركة الهجومية على الجانب الإسرائيلي ، والقوات الأمريكية المشاركة ، تبدو مرتبكة ومحدودة الفاعلية ، لثلاثة أسباب: المباغتة ، وإرادة القتال من الجانب الفلسطيني ، وعنصر ضعف القدرة على امتصاص الخسائر على الجانب الآخر ، ولذلك رغم أن القوات الإسرائيلية لن تتوقف عن محاولات ترميم موقفها الهجومي ، لكنها ستكون أكثر حذرا وأقل اندفاعا ، وأكثر اعتمادا على استخدام الطيران ، في عمليات ضرب مساحي من الفضاء ، إضافة إلى المدفعيات من المؤخرات ، وذلك ما سيطيل سقف المواجهة رغم كل عمليات الهدم والإبادة .
فيما أحسب لذلك كله أن العنصر الأكثر تأثيرا في تعرجات المعركة الهجومية على جانب ، والدفاعية على الجانب الآخر ، إضافة إلى العناصر الميدانية المباشرة ، هو عنصر الوقت ، لأنه الأكثر ارتباطا بالذخيرة والسلاح .
نعم هناك نقص في الذخائر على الجانب الإسرائيلي ، بل حد نفاذ صواريخ القبة الحديدية ، حتى بعد أن أعادت أمريكيا إلى إسرائيل وحدة كانت قد أشترتها منها ، كما أن هناك فيض من الإمدادات يأتي مباشرة من الاحتياطي الإستراتيجي الأمريكي ، والذي يعاني كما تعاني أوربا كلها من نقص حاد في أنواع معينة من الذخائر ، خاصة في بعض الذخيرة من مقذوفات المدفعية والدبابات ، لكن خطوط إمداد المقاومة بالأسلحة والذخائر تبدو من بعيد مقطوعة تماما ، ولذلك فإن حسابات الوقت هي العنصر الحاسم ، الذي يريد الإسرائيليون والأمريكيون أن يوظفوه لصالحهم ، كما يريد بعض العرب معهم ، لكن حسابات هذه الأطراف واقعيا ، لا تبدو صحيحة ، فدول الخليج التي أصرّت على تأجيل موعد القمة العربية ، حتى يوم 11 من هذا الشهر ، ربما كانت تتصور أن هذه المهلة من الوقت كفيلة بالوصول إلى النقطة الفلسطينية الحرجة ، في معركة الدفاع والهجوم ، لكن الملاحظ أن الإمارات عادت بالأمس وصححت الحسابات من جديد ، بعد أن قررت إيقاف طيرانها المدني لا العسكري بين الإمارات وتل أبيب ، حتى يوم 30 نوفمبر ، وفي الأغلب الأعم ، فإن التقدير الزمني الجديد للوصول إلى هذه النقطة الحرجة في معركة الهجوم والدفاع بدوره ، ليس دقيقا وليس صحيحا .
إن الصواريخ الباليستية للجيش اليمني ،هي التي أدركت بعمق حتى الآن مدى الأهمية الاستثنائية ، لهذا العنصر الحاسم في معركة الهجوم والدفاع ، فوق أضلاع غزة ، وهو عنصر الوقت !


طوفان الأقصى (4)

لا الخطب السياسية ولا المنبرية باتت مجدية ، ولا دموع الأمهات وصرخات الرضّع صارت نافعة ، ولا التضامن حارا أو ساخنا مع الدم الفلسطيني أضحى مؤثرا ، ولا أنين البيوت المهدمة وصرخات الجرحى والأيتام والثكالى صارت مسموعة ، ولا أحاديث الدبلوماسية وحواراتها صارت منتجة.
إذا كان البعض يرى أن بعض أطراف الدبلوماسية العربية تبذل من خلال حوارها مع الدبلوماسية الأمريكية جهودا مضنية للتذكير بما يفرضه القانون الدولي ، وتفرضه الضرورات الإنسانية ، فالواضح أنها عاجزة حتى عن إقناع الولايات المتحدة بتحسين شروط القتل ، وإضفاء قشرة إنسانية على أعمال الإبادة ، ولا غرابة في ذلك ، فنحن لا نواجه تكتيكا يمكن الالتفاف من حوله أو محاصرته أو استبداله وإنما نواجه إستراتيجية محددة الأركان ، مكتملة البنيان ، كتلة وظلا ومدى ، فلا الكلمات تقيدها ، ولا الحوارات تنال منها ، ولا الاستعطاف والترجّي ، يفتح أقفال قلوبها ، فليست هناك إستراتيجية عسكرية ، تتمدد كمخلوق من مخلفات ما قبل التاريخ ، يمكن إيقافها بأي من هذه الوسائل ، ولذلك هي ماضية كمنشار كهربائي ، في عظم ولحم الفلسطينيين ، بينما يتمدد العظم واللحم على طاولة التشريح الإسرائيلية ، وهو يقطر دما في عيون العالم .
إن أمريكا تتحاور بالأساطيل والمدمرات والصواريخ والغواصات النووية ، وبنظرية الردع ، ولذلك فإن مفردات الحوار بين الطرفين متناقضة ، إلا لو قرر هؤلاء العرب استخدام مفردات أخرى أكثر تجانسا مع مفردات الحوار الأمريكي ، والحقيقة أن بلينكن كان بليغا في التعبير عن ذلك ، ففي أعقاب اجتماعه مع عدد من وزراء الخارجية العرب ، عمد – أولا – إلى أن يصف دول هؤلاء الوزراء بأنهم ( شركاء للولايات المتحدة الأمريكية ) وكأنهم بتعبير الشراكة الذي انتقاه ، يشكلون جزءا أصيلا في الحرب على غزة ، وعمد – ثانيا – إلى تعزيز ذلك بتحديد مساحة الخلاف معهم في مربع صغير للغاية ، وهو طلب وقف إطلاق النار ، أو الهدنة ، وعمد – ثالثا – إلى أن يبرز اتفاقا مشتركا تمخض عنه الاجتماع وهو ( ردع أي دولة أو جهة غير حكومية من فتح جبهة أخرى في الصراع ) وهو ما قد يعني على جانب الاتفاق على السماح لإسرائيل بالانفراد بغزة ، دون أي تدخل يمنع أو يعيق عمليات الهدم والإبادة ، كما قد يعني على الجانب الآخر أن الردع لم يتحقق فحسب بل أصبح العرب جزءا من حائط ردع الولايات المتحدة للإقليم .
غير أن المدهش فوق ذلك أن تغسل آلة الحرب الأمريكية وجهها ويديها من الدم ، والتدمير ، والتهجير ، ثم ترتدي على الفور قناع – الوسيط – ويتم التحاور معها على هذا الأساس ، خاصة وأن الوسيط المباشر نفسه ، السيد بلينكن ، هو أحد روافد السيدة كلينتون ، وأحد الوجوه البارزة في معسكر الحرب الأمريكي وترمومتر مواقفه منحازة على نحو دائم وحاسم ، إلى خيار استخدام القوة من أفغانستان إلى العراق إلى أوكرانيا إلى غزة .
لقد سبق وأن تحدثت عن عامل الوقت باعتباره عاملا جوهريا ، في معركة الهجوم والدفاع فوق أضلاع غزة ، لارتباطه المتلازم مع الذخيرة والسلاح ، لكن الحقيقة إضافة إلى ذلك أن عامل الوقت يقوم بحراسته وتفعيله ، عامل أمريكي آخر فوق مسرح الشرق الأوسط ، وهو عامل الردع ، بعد أن أصبحت كلمة الردع أو التأكيد المتواصل على استكمال نظرية أمريكية للردع في الإقليم ، هي أكثر المفردات تداولا على ألسنة الأمريكيين ، وكأنها (سيف ديموقليس ) الذي أصبح معلقا فوق الرؤوس والجاهز للسقوط من أعلى فوق الأعناق ، بمجرد القيام بفعل أو حركة .
لقد تمت أول محاولة لزرع نظرية ردع أمريكية في الإقليم في 17 مارس 2021 ، وقد كانت الطلقة الإشارية الأولى لها في صورة بيان مباشر ، من القيادة الأمريكية الوسطى ، تحدثت فيه نصا عن ( ردع العدوان ) و ( التزام الجيش الأمريكي بالأمن في المنطقة ) أما الصورة الأولى لهذا الردع فلم يعطها أحد انتباها ، فقد كانت عبارة عن مظاهرة جوية في سماء الإقليم لقاذفة أمريكية ثقيلة من طراز بي 52 ، ترافقت معها كوصيفات ثلاث طائرات من طراز أف 16 ، تنتمي الأولى إلى سلاح الجو الإسرائيلي ، والثانية إلى سلاح الجو السعودي ، والثالثة إلى سلاح الجو القطري ، ولم تكن الطلقة الإشارية في هذا التوقيت تعني فقط إشهار مقدمات نظرية ردع أمريكية في الإقليم ، وإنما إضافة إلى ذلك أن المشاركين في هذه المظاهرة الجوية ، يشكلون كل بقدره وحجمه ، أحجارا أو حصى أو رمالا ، في جدار نظرية للردع كان يتم بناء قواعدها في الشرق الأوسط .
ولم تكن تلك في كل الأحوال ، هي المرة الأولى التي ظهرت فيها هذه الطائرات الحربية متجاورة في بيان عملي ، أو تدريب جوي ، فقد استبق أول تدريب مشترك بين سلاح الجو الإسرائيلي ، وسلاح الجو السعودي ، ثورة 25 يناير 2011 بعدة أشهر ، وتم في أكبر قاعدة جوية أسبانية ، وبين طائرات من طراز أف 15 تحديدا .
والحقيقة أنه في إطار تقويم عنصر الردع الأمريكي وحده ، يمكن الوصول مباشرة إلى الهدف الإستراتيجي من وراء الحرب على غزة ، وأنه لا يطول غزة وحدها إلا كمرحلة أولى ، فالولايات المتحدة ، تبدو بالغة الحرص على أن تملأ صورة الردع بكل ألوان الرعب ، وكأنها صورة فرانكنشتاين ، الذي صنعته المخيلة الأمريكية باعتباره الأكثر إرعابا وتخويفا ودمامة ، ولذلك فإن حديث الوزير الإسرائيلي ( أفيخاي إلياهو ) عن استخدام القنابل النووية وهو صدى لحديث رئيس الأركان الإسرائيلي نفسه ، عن استخدام ( قنبلة كبيرة ) عند زيارته لمؤخرة أحد محاور الهجوم الإسرائيلي في غزة ، لا يمكن توصيفه إلا باعتباره يمثل أحد أعماق صورة الردع الأمريكية نفسها .
لقد جاء وليام بيرنز رئيس المخابرات الأمريكية ، ليستكمل مهمة وزير الخارجية بلينكن ، ومع أنه على المستوى الشخصي أكثر ثقافة ونعومة ، ولكنه اصطحب معه للالتحاق بالقيادة الوسطى الأمريكية في المنطقة ، غواصة نووية ( أوهايو ) في جعبتها 120 صاروخ كروز .
إن فك الارتباط بين عنصري ( الوقت ) و ( الردع )، ثم التعامل مع عنصر الوقت ، هو الممر الوحيد الصالح للمرور الآن !

…يتبع

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى