فجر اليوم الاخباري || خاص
قراءة في مقال ليو يانتينغ حول إيران وفنزويلا وحدود الدور الصيني، منذ اندلاع الأزمات في إيران وفنزويلا، تتكرر نبرة واحدة في التحليل السياسي الدولي: لماذا لا تتدخل الصين لحماية حلفائها؟ ولماذا لا تتحول إلى مظلة جيوسياسية مضادة لواشنطن في الشرق الأوسط وأمريكا اللاتينية؟
في مقاله اللافت المعنون: «توقفوا عن مطالبة الصين بإتخاذ إجراءات لحماية فنزويلا وإيران» -كما نُشر بالروسية في تيليغرام- ، يجيب الكاتب والمحلل السياسي الصيني ليو يانتينغ* على هذا السؤال بوضوح حاسم، رافضًا ما يسميه “التفكير المحوري” الذي يُحمِّل بكين مسؤولية بقاء كل نظام مناهض للولايات المتحدة.
منذ السطور الأولى، يعيد الكاتب ترتيب المشهد: الحديث عن أن سقوط إيران—إن حصل—يعني “فشلًا كاملًا” لإستراتيجية الصين في الشرق الأوسط، ليس سوى قراءة خاطئة لطبيعة هذه الإستراتيجية ذاتها. فالتغيير السياسي، برأيه، “سيؤثر بلا شك في العلاقات والإستثمارات”، لكنه لا ينسف المشروع الصيني برمته، لأن إيران ليست حجر الزاوية في مقاربة بكين الإقليمية. «القول بأن سقوط إيران يعني “فشلًا كاملًا” للاستراتيجية الصينية يسيء فهم دور إيران وأهميتها في هذه الاستراتيجية»، — ليو يانتينغ.
من “تصدير الثورة” إلى براغماتية المصالح
يضع يانتينغ مقاله في سياق تاريخي حاسم: منذ ثمانينيات القرن الماضي، تخلّت الصين عن الدبلوماسية الماوية التي دعمت قوى مناهضة للغرب، وإعتمدت نهجًا براغماتيًا عنوانه “عدم تصدير الثورة”، سعيًا إلى ترميم علاقاتها مع الغرب وتوفير شروط نموها الداخلي. لم يكن ذلك خيارًا أيديولوجيًا بقدر ما كان إستجابة لواقع دولي شهد إنحسار اليسار عالميًا وإحتياجات تنموية صينية ملحّة. «إبتداءً من ثمانينيات القرن الماضي، تخلّت الصين عن الدبلوماسية الماوية وتبنّت موقفًا براغماتيًا يقوم على عدم تصدير الثورة، بهدف إعادة بناء علاقاتها مع الغرب إلى أقصى حد ممكن»، — ليو يانتينغ.
في هذا الإطار، تصبح إيران—التي إتخذت مسارًا تصادميًا مع الولايات المتحدة منذ 1979 وتعيش تحت وطأة العقوبات—شريكًا مهمًا، ولكن غير مركزي في الحسابات الصينية.
إيران: شريك مهم… لا ركيزة إستراتيجية
يصرّ الكاتب على معادلة صادمة لكثيرين في المنطقة: «إيران تحتاج إلى الصين أكثر مما تحتاج الصين إلى إيران». فالنظم الخاضعة لعقوبات وضغوط قصوى، بحسب يانتينغ، تنطوي على مخاطر بقاء عالية، وقد “تنهار فجأة بفعل تدخل خارجي وأعباء العقوبات”، ما يجعلها غير مناسبة لإستثمارات إستراتيجية ضخمة وطويلة الأمد. «إيران ليست الخيار الرئيسي في الإستراتيجية الصينية للشرق الأوسط… فهذه الأنظمة تواجه مخاطر بقاء مرتفعة وقد تنهار فجأة، ما يجعلها أهدافًا غير مثالية لإستثمارات إستراتيجية كبيرة»، — ليو يانتينغ.
ومن هنا يحذّر من أن الإقتراب المفرط من طهران قد يضرّ بالسياسة الشاملة لبكين في المنطقة، ويؤدي إلى “الإغتراب عن القوى الإقليمية الأخرى، ولا سيما دول الخليج العربية” التي لا تتشارك بالضرورة العداء لواشنطن.
النفط: أين تتمركز الأولويات الصينية؟
يعترف يانتينغ بأن الصين أصبحت أكبر مشترٍ للنفط الإيراني، لكنه يقرأ هذا الواقع بوصفه دليلًا على إعتماد طهران على بكين أكثر مما هو دليل على مركزية إيران في الحسابات الصينية. فـالمورِّدان الرئيسيان للنفط الخام إلى الصين يظلان السعودية وروسيا. «كون الصين أكبر مشترٍ للنفط الإيراني يُظهر مدى إعتماد طهران على بكين… لكن من منظور بكين، يبقى الموردان الأساسيان هما السعودية وروسيا»، — ليو يانتينغ.
هذه الجملة تختصر منطق المقال: الطاقة مصلحة، لكنها تُدار بتوازنات متعددة لا بمحاور أيديولوجية.
رفض “الإلتحاق بمحور المقاومة”
يرفض الكاتب بقوة فكرة أن على الصين أن تتحول إلى قطب يقود معسكرًا مضادًا للولايات المتحدة في الشرق الأوسط. فلو ركزت بكين على “الأيديولوجيا المعادية لأمريكا” وتخلّت عن حسابات التنمية، لوجدت نفسها—بحسب تعبيره—“منخرطة في محور المقاومة”، ومقيدة بصراعات مفتوحة مع واشنطن وتل أبيب، ومفوِّتة فرص الإستثمار والتنمية في الخليج. «لو ركزت الصين على الأيديولوجيا المعادية لأمريكا وتخلّت عن خطط التنمية، لوجدت نفسها منخرطة في “محور المقاومة” وغارقة في صراعات لا تنتهي مع الولايات المتحدة وإسرائيل»، — ليو يانتينغ.
بكلمات أخرى: الصين لا تريد أن تدفع كلفة صراعات الآخرين على حساب مشروعها الإقتصادي العالمي.
فنزويلا وأمريكا اللاتينية: المبدأ نفسه
يمدّ يانتينغ منطقه إلى القارة اللاتينية: بكين تتعامل مع الأنظمة المناهضة لواشنطن، لكنها في الوقت نفسه تُقيم علاقات وثيقة مع بقية دول الإقليم، وغالبًا ما تُعطى “إعتبارات المخاطر” أولوية عند توزيع الإستثمارات. «الصين لا تتعامل فقط مع الأنظمة المعادية لأمريكا في أمريكا اللاتينية، بل تبني علاقات ودّية مع بقية دول المنطقة… وبإعتبارات المخاطر غالبًا ما تتقدّم الأخيرة»، — ليو يانتينغ.
ومن هنا يأتي رفضه القاطع لفكرة أن على الصين أن “تحارب الولايات المتحدة في أمريكا اللاتينية لحماية مادورو”، تمامًا كما يرفض أن “تواجه جميع دول المنطقة دفاعًا عن إيران”.
نقد “التفكير المحوري”: هل يجب على الصين إنقاذ الجميع؟
في قلب المقال، يهاجم الكاتب ما يسميه “التفكير الجيوسياسي المحوري”: الإعتقاد بأن التنافس الصيني–الأمريكي يفرض على بكين مسؤولية إنقاذ كل نظام يعادي واشنطن. يانتينغ يعتبر هذا منطقًا تبسيطيًا يتجاهل تعقيد الدبلوماسية الكبرى وتوزيع المخاطر منذ البداية. «من السهل الوقوع في “تفكير محوري” يفترض أن على الصين تحمّل مسؤولية بقاء جميع الأنظمة المعادية لأمريكا… لكن الصين لن تعادي كل دول المنطقة لدعم إيران، ولن تدخل في مواجهة مع الولايات المتحدة في أمريكا اللاتينية لحماية مادورو»، — ليو يانتينغ.
خاتمة: شراكة بلا إحتكار
ينهي الكاتب مقاله بتأكيد مبدئي: الدبلوماسية الكبرى نتاج تاريخ وسياق، وتستجيب لوقائع متغيرة. صحيح أن الصين “شريك إستراتيجي مهم لإيران”، لكن هذا “لا يعني أن يكون لها شريك واحد فقط”. «رغم أن الصين شريك إستراتيجي مهم لإيران، فإن ذلك لا يعني أن يكون للصين شريك واحد فقط»، — ليو يانتينغ.
الخلاصة
يقدّم مقال ليو يانتينغ مانيفستو واقعيًا للسياسة الخارجية الصينية:
•لا أيديولوجيا بلا مصالح، ولا “محاور” على حساب التنمية.
•إيران وفنزويلا شركاء، لا ركائز في منظومة أوسع تُوازن بين الطاقة، والإستثمار، والعلاقات الإقليمية.
•بكين ترفض أن تكون مظلة إنقاذ للأنظمة المعاقَبة إذا كان الثمن تعقيد علاقتها بمراكز الثقل الإقليمي أو إستدراجها إلى صدامات كبرى.
بهذا المعنى، لا يدافع الكاتب عن تخلّي الصين عن شركائها، بل عن تحديد حدود الشراكة: شراكة بلا إحتكار، ومصالح بلا إندفاع أيديولوجي، ودبلوماسية تفضّل إدارة المخاطر على صناعة الأعداء.
إنها قراءة تُربك من ينتظر من بكين أن تكون “واشنطن أخرى” على الضفة المقابلة—لكنها في الوقت ذاته تكشف جوهر الصعود الصيني: قوة تتقدّم بالحسابات لا بالشعارات.
هوامش
ليو يانتينغ (Liu Yanting) محلّل سياسي وكاتب صيني مختص في الشؤون الدولية والسياسة الخارجية الصينية.
