في سوق الملح بصنعاء القديمة… حين عاد المعروف إلى صاحبه بعد ثلاثين عامًا

فجر اليوم|| خاص

صنعاء – سوق الملح | تقرير صحفي

في صباح شتوي بارد، وبين أزقة صنعاء القديمة الضيقة، حيث تختلط أصوات الباعة برائحة القهوة ودخان الحطب، كُتبت واحدة من أصدق الحكايات الإنسانية في سوق الملح، حين أعاد الزمن ترتيب أدواره، وردّ المعروف إلى صاحبه بعد ثلاثة عقود.عند إحدى زوايا السوق، جلس تاجر مسنّ يبيع خردوات بسيطة على عربة صغيرة، بعد أن عصفت به تقلبات الحياة والحرب، وأثقلت كاهله الوحدة وفقدان الزوج وضيق الحال. لم يكن المارّة يعلمون أن هذا الرجل هو الحاج عبدالرحمن، أحد تجار السوق المعروفين في تسعينيات القرن الماضي، والذي اعتاد مساعدة المحتاجين بصمت، دون انتظار شكر أو مقابل.

قبل ثلاثين عامًا، وفي المكان ذاته، كان سعيد الوصابي طفلًا يتيمًا يعمل في حمل أغراض المتسوقين بعد انتهاء يومه الدراسي، يعيل والدته المسنّة، ويحلم بحذاءٍ لا تمزّقه الأمطار ولا يخذله الطريق. في تلك الأيام، مدّ الحاج عبدالرحمن يده للطفل اليتيم، تكفّل بدراسته، ووفّر له الكتب والاحتياجات، وترك في ذاكرته جملة واحدة:«اهتم بدراستك… والرزق على الله».تمضي السنوات، يكبر سعيد، يكافح، يتنقل بين المدن، ويتعلّم التجارة بالصبر والخسارة قبل الربح، حتى أصبح تاجرًا معروفًا حسن السيرة ونظيف المعاملة.

ومع زحمة الحياة، غابت الذاكرة… حتى أعادها صوت مألوف في سوق الملح.توقّف سعيد فجأة، اقترب من الرجل المسن، ونطق باسمه. وحين تعرّف الحاج عبدالرحمن على الطفل الذي رعاه يومًا، انهمرت الدموع، وساد صمت ثقيل، كأن ثلاثين عامًا انطوت في لحظة واحدة.لم يتردد سعيد؛ أخذ بيد الحاج، أعاده إلى بيته، ووفّر له الرعاية والعلاج والمعيشة، وخصّص له راتبًا كريمًا بعيدًا عن الأضواء، قائلًا له بهدوء:«اعتبرني ولدك… وخليك في المسجد، والرزق على الرزّاق».عاد الحاج عبدالرحمن إلى السوق في اليوم التالي، لا بائعًا، بل مرفوع الرأس، مطمئن القلب، وقد ردّ الله له جميله في الوقت الذي لم يكن ينتظره.

خلاصة المشهد:في أسواق الحياة كما في سوق الملح، تتبدّل الأدوار، ويبقى المعروف دينًا لا يسقط بالتقادم. فمن أحسن يومًا، سيجد إحسانه واقفًا على بابه.

الصورة حقيقية ونُشرت بعد أخذ موافقة الحاج عبدالرحمن لتكون رسالة أمل وإلهام للآخرين.

الكاتب: علي السنيدار

Exit mobile version