فجر اليوم || خاص
في لحظة تاريخية يزداد فيها الشعور بأن النظام الدولي الذي نشأ بعد نهاية الحرب الباردة يقترب من نهايته، يطرح الفيلسوف الروسي ألكسندر دوغين رؤية لافتة حول طبيعة التحولات التي يشهدها العالم. ففي مقال حديث له، يذهب دوغين إلى أن ما يجري اليوم ليس مجرد أزمات إقليمية متفرقة أو صراعات سياسية عابرة، بل هو في جوهره عملية إعادة تقسيم شاملة للنظام العالمي.هذه العملية، كما يراها، لا تُدار عبر المؤسسات الدولية أو عبر القواعد القانونية التي حكمت العلاقات بين الدول طوال العقود الماضية، بل عبر أفعال سياسية وعسكرية جريئة تفرض واقعًا جديدًا على الأرض.
ومن هذا المنطلق يوجه دوغين إنتقادًا غير مباشر لبلاده، معتبرًا أن روسيا، التي بدأت في السابق خطوات كبرى غيّرت موازين القوى، تبدو اليوم وكأنها توقفت في منتصف الطريق، بينما يواصل لاعبون آخرون إعادة تشكيل قواعد اللعبة الدولية.نهاية النظام الدولي القديمينطلق دوغين من فكرة أصبحت شائعة في عدد من الأوساط السياسية الروسية، مفادها أن النظام الدولي الذي تشكّل بعد إنهيار الإتحاد السوفياتي لم يعد قائمًا عمليًا. فذلك النظام كان يقوم على مجموعة من المبادئ والمؤسسات التي نظّمت العلاقات بين الدول: القانون الدولي، التوازنات الإستراتيجية، والمنظمات متعددة الأطراف التي يفترض أنها تضبط إستخدام القوة.لكن الواقع المعاصر، في نظره، يشير إلى أن هذه القواعد فقدت فعاليتها تدريجيًا.
فالأحداث الكبرى في السنوات الأخيرة أظهرت أن الدول القادرة على فرض إرادتها بالقوة تستطيع أن تخلق حقائق سياسية جديدة، حتى لو تعارضت مع القواعد القائمة. ومع مرور الوقت يتحول هذا الواقع الجديد إلى أمر مقبول، ثم يصبح قاعدة جديدة يتكيف معها النظام الدولي.
بهذا المعنى، لم يعد العالم يعيش ضمن نظام واضح المعالم، بل في مرحلة إنتقالية يتشكل خلالها نظام جديد، وتُكتب قواعده عبر الأفعال لا عبر الإتفاقيات.الجرأة الجيوسياسية وصناعة القواعدفي تفسيره لطبيعة هذا التحول، يرى دوغين أن الجرأة الإستراتيجية أصبحت العامل الحاسم في رسم ملامح النظام العالمي الجديد. فالدولة التي تتخذ خطوة غير متوقعة وقادرة على فرض نتائجها قد تنجح في تحويل تلك الخطوة إلى واقع دائم، حتى لو واجهت في البداية موجة من الإعتراضات الدولية.ويضرب مثالًا على ذلك بتجربة كوريا الشمالية، التي تمكنت رغم العقوبات والضغوط الدولية من تثبيت موقعها كقوة نووية. فالتجارب النووية المتكررة وتطوير الصواريخ الباليستية والتهديدات العسكرية لم تؤدِ إلى تغيير النظام هناك، بل تحولت مع مرور الوقت إلى واقع يتعامل معه العالم بوصفه حقيقة قائمة.ومن هذا المنظور، فإن السياسة الدولية لم تعد محكومة بالقيود التي كانت تحد من إستخدام القوة في الماضي، بل أصبحت أقرب إلى ساحة تنافس بين الدول التي تحاول كل منها فرض قواعدها الخاصة.الشرق الأوسط كساحة لإعادة رسم موازين القوىويرى دوغين أن الشرق الأوسط يمثل اليوم إحدى أهم ساحات هذا التحول العالمي. فالتطورات المتسارعة في المنطقة تعكس، في رأيه، إنتقال الصراع الدولي من مرحلة إدارة الأزمات إلى مرحلة إعادة تشكيل موازين القوى.ويشير في هذا السياق إلى الدور الذي تلعبه الولايات المتحدة وإسرائيل في إعادة ترتيب المشهد الإقليمي، سواء عبر العمليات العسكرية أو عبر فرض وقائع سياسية جديدة على الأرض. فهذه التحركات، بحسب رؤيته، تعكس منطقًا إستراتيجيًا يقوم على فرض الحقائق أولًا، ثم ترك المجتمع الدولي يتكيف معها لاحقًا.لكن هذا المشهد لا يقتصر على طرف واحد. فإيران، كما يرى دوغين، دخلت بدورها مرحلة أكثر جرأة في تحركاتها الإقليمية، سواء عبر توسيع نطاق المواجهة غير المباشرة أو عبر الضغط العسكري على خصومها. وبذلك تتحول المنطقة إلى ساحة إختبار حقيقية لطبيعة النظام الدولي الجديد الذي يتشكل.إنتقاد غير مباشر لموسكوفي خضم هذا التحليل، يوجّه دوغين نقدًا لافتًا إلى السياسة الروسية. فهو يذكّر بأن موسكو نفسها قامت خلال السنوات الماضية بخطوات جريئة غيّرت التوازنات الإقليمية والدولية.
فحرب جورجيا عام 2008، ثم إعادة توحيد شبه جزيرة القرم مع الوطن الأم عام 2014، وصولًا إلى الحرب في أوكرانيا، كلها أحداث شكلت محطات مفصلية في السياسة الدولية وأجبرت العالم على التكيف مع واقع جديد.لكن المشكلة، كما يراها، أن روسيا لم تواصل هذه المبادرات بالوتيرة نفسها. ففي الوقت الذي يتحرك فيه لاعبون آخرون بسرعة لإعادة رسم خريطة النظام الدولي، تبدو موسكو — بحسب تعبيره — وكأنها دخلت في حالة من الجمود الإستراتيجي.وهنا يكمن جوهر تحذير دوغين: فالعالم يتغير بسرعة، والدول التي تتردد قد تجد نفسها خارج عملية صياغة النظام الجديد.
نحو «نظام دولي روسي»في نهاية تحليله يطرح دوغين تصورًا لما يسميه «النظام الدولي الروسي». هذا المفهوم يرتبط مباشرة بالفلسفة الأوراسية التي يدافع عنها منذ سنوات، والتي تقوم على فكرة أن العالم يتجه نحو نظام متعدد الأقطاب، تتقاسم فيه عدة قوى كبرى النفوذ العالمي بدلًا من الهيمنة الغربية التي سادت بعد الحرب الباردة.في هذا النظام، يرى دوغين أن روسيا يجب أن تلعب دور أحد المراكز الحضارية الكبرى في العالم، إلى جانب قوى أخرى مثل الصين و الهند وإيران.
وتقوم هذه الرؤية على فكرة أن لكل حضارة كبرى مجالها الجيوسياسي الخاص، وأن النظام العالمي الجديد ينبغي أن يعكس هذا التعدد الحضاري بدلًا من فرض نموذج سياسي واحد على الجميع.في النهاية، لا يقدّم دوغين في مقاله خطة سياسية مفصلة، لكنه يوجّه رسالة واضحة مفادها أن اللحظة التاريخية الحالية تشهد إعادة تشكيل عميقة للنظام الدولي. وفي مثل هذه اللحظات، لا يكتب القواعد من يكتفي بمراقبة الأحداث، بل من يجرؤ على تغييرها.
ومن هنا تأتي دعوته الضمنية إلى أن تستعيد روسيا روح المبادرة التي ميّزت سياساتها في مراحل سابقة، وأن تتحرك بجرأة أكبر في عالم تتغير قواعده بسرعة غير مسبوقة. ففي نظره، قد يكون التردد في لحظة التحولات الكبرى أخطر من المخاطرة نفسها، لأن النظام العالمي القادم لن ينتظر من يتردد طويلًا قبل أن يقرر مكانه فيه.
