ترامب لا يفهم كربلاء: لماذا لا تستسلم إيران

فجر اليوم || خاص

الدكتور: محسن حنون العكيلي

مركز البناء للدراسات التصريحات المنسوبة إلى دونالد ترامب التي تتساءل عن سبب عدم استسلام إيران تحت الضغط تكشف ـ في جوهرها ـ عدم فهم عميق لطبيعة العقيدة السياسية والثقافية التي تحكم هذا البلد، خصوصاً حين يتعلق الأمر بالمدرسة التي تستند إليها الجمهورية الإسلامية.فالقضية بالنسبة لكثير من الإيرانيين، وخصوصاً ضمن مدرسة أهل البيت، ليست مجرد حسابات قوة آنية أو ضغوط اقتصادية أو سياسية، بل هي امتداد تاريخي وثقافي لعقيدة متجذّرة تعود إلى نهضة الحسين بن علي عليه السلام . تلك النهضة التي تحولت في الوعي الشيعي إلى معيار للكرامة والرفض المطلق للخضوع.لقد خُلِّد عنه قوله الذي أصبح شعاراً للأحرار: «هيهات منّا الذلّة»، كما تُنسب إليه الأبيات المشهورة التي تعبّر عن روح المواجهة والثبات:الموت أولى من ركوب العاروالعار أولى من دخول النارهذه ليست مجرد كلمات تاريخية، بل منظومة فكرية كاملة تُدرَّس في الوجدان قبل الكتب، وتُستحضر كلما تعرضت الأمة للضغط أو التهديد.ومن هذه المدرسة تحديداً انطلقت الثورة الإسلامية عام 1979 بقيادة روح الله الخميني، التي أعادت صياغة مفهوم الاستقلال السياسي في إيران، ورسّخت فكرة أن التنازل تحت الضغط ليس خياراً مقبولاً. هذا النهج استمر لاحقاً مع قيادة السيد الولي علي الخامنئي، التي ترى نفسها امتداداً لخط تاريخي يعتبر الصمود جزءاً من الهوية وليس مجرد موقف سياسي.لذلك فإن السؤال عن سبب عدم الاستسلام قد يبدو، بالنسبة لكثيرين في هذه البيئة الفكرية، سؤالاً خارج السياق.

فالدولة التي تأسست على شعار المقاومة والاستقلال لا يمكن أن تتعامل مع الضغوط بمنطق الإذعان، بل بمنطق الندّية. وفي العقل السياسي المتأثر بمدرسة كربلاء، التفاوض ممكن، بل ومطلوب أحياناً، لكنه لا يكون إلا بين طرفين متكافئين: دولة مقابل دولة، وإرادة مقابل إرادة.إن قراءة المشهد بهذه الخلفية تجعل الصورة أكثر وضوحاً: المسألة ليست عناداً سياسياً عابراً، بل سردية تاريخية وعقائدية متجذرة.

ومن لا يفهم هذه السردية سيبقى يتساءل طويلاً لماذا لا يحدث الاستسلام.وفي النهاية، الرسالة التي تريد ايران إيصالها واضحة:يمكن الحوار، ويمكن التفاوض، لكن الاستسلام ليس جزءاً من القاموس. لأن المدرسة التي تبدأ بكربلاء لا تنتهي عند ضغط سياسي أو اقتصادي، بل تستمر بفكرة الكرامة التي يعتبرها أتباعها خطاً أحمر لا يمكن تجاوزه.

‎#سليمان_الفهد

Exit mobile version