تاكر كارلسون والتحوّل في الخطاب الأميركي حول إسرائيل

فجر اليوم || خاص

خلال العقود الثلاثة الماضية، تميز المشهد الإعلامي والسياسي في الولايات المتحدة بوجود شبه إجماع بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي على دعم إسرائيل، سواء على المستوى السياسي أو العسكري أو الإعلامي. ضمن هذا السياق، برز اسم تاكر كارلسون بوصفه حالة إستثنائية داخل التيار المحافظ، إذ إنتقل من كونه أحد أبرز الأصوات المؤيدة للسياسات الخارجية التقليدية إلى شخصية تشكك علناً في أحد أكثر “الثوابت” حساسية في السياسة الأميركية.
ولا تكمن أهمية كارلسون في مواقفه وحدها، بل في موقعه داخل بنية الإعلام المحافظ، حيث يمتلك قاعدة جماهيرية واسعة، وتأثيراً مباشراً في الرأي العام اليميني، خصوصاً بين الشباب الجمهوري.

ثانياً: التحول في الخطاب — من الشعبوية القومية إلى نقد التحالف الإستراتيجي

يمكن فهم تحول كارلسون ضمن إطار أوسع يتعلق بإعادة تعريف التيار الشعبوي اليميني لمفهوم “المصلحة الوطنية الأميركية”.

1. نقد النفوذ السياسي لإسرائيل


ركّز كارلسون بشكل متكرر على دور اللوبيات المؤيدة لإسرائيل، وعلى رأسها AIPAC، معتبراً أن نفوذها داخل الكونغرس يشكل حالة فريدة من التأثير الخارجي على السياسة الأميركية.
ويعكس هذا الخطاب تحوّلاً أيديولوجياً داخل اليمين الشعبوي يقوم على:
•رفض التدخلات الخارجية
•إعادة تعريف التحالفات وفق معيار المصلحة الوطنية المباشرة
•معارضة الحروب البعيدة جغرافياً
هذا التوجه يتقاطع مع تيار “الإنعزالية الجديدة” الذي بدأ يكتسب زخماً داخل الحزب الجمهوري.

2. التشكيك في الرواية الأخلاقية للصراع


إنتقل كارلسون خطوة أبعد من النقد السياسي إلى تفكيك البعد الأخلاقي التقليدي للدعم الأميركي لإسرائيل، خاصة عبر تسليط الضوء على:
•أوضاع المسيحيين الفلسطينيين
•القيود على حرية العبادة
•سياسات الاستيطان
•الحرب على غزة
وقد شكّل هذا الطرح خروجاً غير مسبوق عن الخطاب المحافظ الأميركي الذي كان تاريخياً يرتكز على رؤية دينية ـ حضارية داعمة لإسرائيل.

ثالثاً: البعد الديني — الصدام مع الصهيونية المسيحية

يُعدّ نقد كارلسون للصهيونية المسيحية من أكثر جوانب خطابه إثارة للجدل.
فقد إعتبر أن هذا التيار:
•يربط السياسة الخارجية الأميركية بتفسيرات لاهوتية
•يخلط بين العقيدة الدينية والمشروع الجيوسياسي
•يدفع نحو دعم غير مشروط لإسرائيل
وهنا تبرز مفارقة مهمة: إذ أن الصهيونية المسيحية كانت تاريخياً أحد أعمدة التحالف بين اليمين الأميركي وإسرائيل، ما يجعل مهاجمتها مؤشراً على تحول بنيوي داخل الفكر المحافظ.

رابعاً: إنعكاسات الخطاب على الداخل الأميركي

1. إنقسام داخل الحزب الجمهوري


أظهرت قضية كارلسون وجود إنقسام متزايد داخل اليمين الأميركي بين: الجناح التقليدي المؤيد لإسرائيل والجناح الشعبوي الرافض للالتزامات الخارجية. ورغم قربه السياسي من دونالد ترامب، فإن خطاب كارلسون يعكس توجهاً أكثر راديكالية في نقد التحالفات الخارجية.

2. الصراع حول حرية التعبير


منحه لقب “معادي للسامية” من قبل جماعات ضغط مؤيدة لإسرائيل يعكس تحولاً في أدوات المواجهة السياسية داخل الولايات المتحدة، حيث أصبحت الإتهامات الأخلاقية وسيلة للحد من الخطاب الناقد.
ويشير ذلك إلى ظاهرة أوسع تتمثل في: تسييس مفاهيم الهوية، وتوظيف الاتهامات كأدوات ردع سياسي وتضييق المجال أمام النقاشات الإستراتيجية.

خامساً: البعد الدولي — أزمة صورة إسرائيل

تكشف حادثة إستجواب كارلسون أثناء زيارته لإسرائيل عن حساسية متزايدة تجاه الأصوات الغربية الناقدة.
كما تعكس هذه الواقعة: تراجع قدرة إسرائيل على احتواء الإنتقادات داخل الغرب، وإنتقال الجدل من اليسار الأكاديمي إلى اليمين الشعبي، ودخول الصراع في مرحلة جديدة إعلامياً.

سادساً: لماذا يكتسب كارلسون إهتماماً عربياً؟

يرتبط الإهتمام العربي بظاهرة كارلسون بعدة عوامل:

1. كسر إحتكار السردية


يمثل ظهوره تحدياً نادراً للرواية الإعلامية الغربية السائدة حول الصراع.

2. مصدره الأيديولوجي


كونه ينتمي إلى اليمين المحافظ يمنحه مصداقية مختلفة مقارنة بالأصوات الليبرالية التقليدية.

3. تأثيره الجماهيري


وصول خطابه إلى ملايين الأميركيين يجعله عاملاً مؤثراً في تشكيل الرأي العام الغربي.

سابعاً: الاستنتاجات الإستراتيجية

يمكن إستخلاص عدة دلالات رئيسية من ظاهرة كارلسون:

1. بداية تصدع الإجماع الأميركي التقليدي حول إسرائيل.

2. صعود تيار إنعزالي يعيد تعريف التحالفات الدولية.

3. تحول الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي إلى قضية إنقسام داخلي أميركي.

4. تزايد أهمية الإعلام البديل في تشكيل السياسات الخارجية.

ثامناً: الخلاصة

لا يمثل تاكر كارلسون مجرد إعلامي مثير للجدل، بل يعكس تحولات أعمق داخل المجتمع السياسي الأميركي، تتعلق بإعادة تقييم دور الولايات المتحدة في العالم، وطبيعة تحالفاتها، وحدود إلتزامها الأيديولوجي.
وبهذا المعنى، فإن ظاهرة كارلسون قد تكون مؤشراً مبكراً على مرحلة جديدة في السياسة الأميركية، حيث لم يعد دعم إسرائيل قضية إجماع، بل أصبح موضوعاً للصراع السياسي الداخلي.

*****

References

1. Middle East Eye


Tucker Carlson gives US conservatives rare window into plight of Palestinian Christians
12 August 2025.

2. Middle East Eye


Tucker Carlson named ‘Antisemite of the Year’ for opposing Israel’s genocide in Gaza
22 December 2025.

3. Middle East Eye


Tucker Carlson sheds light on Christian-Muslim harmony in Palestine, Jordan
5 February 2026.

Exit mobile version