بعد 8 أعوام.. طفل أنقذه من الموت تحت القصف يعود حيًا: «أحمد.. ما زلت أتابعك بصمت»

فجر اليوم || خاص

#ماجد_زايد: في ذلك اليوم المأهول قبل ثمانية أعوام، كنا خلال القصف نساعد الأهالي على الخروج من منازلهم للنجاة بأنفسهم من غـ ـارات الطـ ـيران، جوار معسكر الحفاء في صنعاء، كان المكان في حارتنا يشبه القيامة من هول البشر الخائفين والمتلاحقين.. يومها، وفي ذروة الزحمة الممزوجة بالكثير من الرعب والخوف والخيالات المـدمـ ـرة، رأيت طفلًا ممددًا من بعيد، كانت المنطقة أمامه مكشوفة تجاه الشظايا الراجعة والمتلاحقة والمتطايرة، صرخ أحد الشباب: أنقذوا ذلك الطفل، إنه عاصم ابن جيراننا، إنه ميت، ألحقوه، لقد أصابته شظية راجعة، انطلق أحد الشباب مسرعًا نحوه، انطلقت بعده بينما أتفادى الشظايا والغارات، كان المكان يهتز، والنار تشتعل، والبيوت ترتجف، والنوافذ تتساقط من أماكنها، والشظايا الحارقة تغطي كل شيء حولنا، وصلنا نحو الطفل، أخذناه بأيدينا، كان رأسه مفتوحًا والدم يسيل من دماغه، وصلنا به إلى جوار جدار، وضعته سريعًا، هذا ليس عاصم، هذا طفل آخر، أخذت الشال من رأسي وشددته به على رأس الطفل، ثم حملته بين يدي مسرعًا نحو أيّ سيارة أمامي، وجدت سيارة صغيرة، طلبت من صاحبها إنقاذ المصاب، لكنه رفض مع غمرة الخوف والإرتباك، عندها صرخت عليه: تخيله ابنك، تخيله أنت، لم يهتم لكلامي أو خوفي، وفجأة وصل أحد الشباب مسرعًا بدباب مكشوف، كان يصرخ باتجاهي: يا ماجد هيا هيا، اركب اركب نسعف الطفل الذي معك.حملت الطفل بين ذراعي وصعدت به فوق الدباب المكشوف، وانطلقنا معًا نحو النجاة بالصغير، وفي الطريق إلى مستشفى الثورة، فتشت رأس الطفل، كان الدماغ قد خرج من مكانه، كان منظرًا لا يمكن لإنسان مواجته او نسيانه، كان الطفل يشاهدني بينما يلفظ أنفاسه الأخيرة، أخذت الشال بيدي وأدخلت دماغه الصغير إلى مكانه، ثم شددت على رأسه بشكل متماسك، كان الطفل يحاول نطق كلمات لا أفهمها ولا أعرفها، لكنه يتلعثم ويفتح عينيه ثم يغمضهما بسلام، كان يراني، ولا يراني، كأنه يشكرني، أو يسامحني، يرفع يده قليلًا ثم يعيدها إلى مكانها، وأنا ممسك به وأدعو الله أن ينقذ حياته، مر الوقت سريعًا، حتى وصلنا طوارئ مستشفى الثورة، أدخلناه الطوارئ المكتظ بالبشر الممددين في كل مكان، كانت الحياة شبه ميتة، والأرواح محلقة، ولا طبيب أمامنا يلثم الجراح أو يجبر المصابين، وضعت الطفل على سرير قريب، صرخت في وجه الممرضين: أرجوكم اقتربوا منه وأنقذوه، اقترب بعضهم، كان أحدهم طبيبًا شابًا، فحصه قليلًا وقلب رأسه، يمينًا ويسارًا، وشاهد فتحة رأسه ودماغه، ثم التفت نحوي وأومأ برأسه بحسرة، ثم قال: هذا “إكسبايرد”، منتهيًا، أو ميتًا، بعدها تركنا وغادر، اقتربت قليلًا من الطفل الصغير، كان نائمًا وبريئًا وفاقدًا للوعي، ترحمت عليه، وتأملته بوداع أخير، رحمة الله عليك أيها الجميل، لقد حاولت إنقاذك، لقد ضحيت بنفسي من أجلك، لكنه قدرك ومصيرك، رحمة الله عليك، بعدها وضعت رقمي واسمي على بيانات الطفل، ثم غادرت من الطوارئ صوب حارتنا لأرى ماذا حدث لبقية الأهالي مجددًا، وعندما خرجت من الطوارئ اتصلت بالشباب المتبقين في الحارة، أخبرتهم أن يبحثوا عن أهل الطفل المصاب ليخبروهم بأنه في طوارئ مستشفى الثورة العام، وبأن عليهم الذهاب إليه سريعًا..وهكذا مرت الأيام والأسابيع والشهور والسنوات، وأنا أظن بأن ذلك الطفل المصاب قد توفي، لفترة طويلة، وهو لم يغب عن خيالي وذاكرتي، بحسرة وحزن وخيال عن الفاجعة، هكذا حتى تواصل بي ذات يوم شقيق الطفل الذي أصيب، ليسألني بلا مقدمات عن يوم الحادثة، وعن إصابة الطفل الصغير، أخبرته بكل شيء عنها، ففاجأني بأن الطفل المصاب اسمه أحمد الحالي، وبأنه شقيقه الصغير، وبأنه قد صار في صحة وعافية، ثم عرفني بنفسه كونه أخوه الكبير، وبأنهم يومها وجدوه في طوارئ مستشفى الثورة وأخذوه مباشرة، ثم أجروا له عملية طارئة في الدماغ، على أيدي جراح يمني في مستشفى الجمهوري بصنعاء، ليتحسن بعدها ويعود للحياة، ليستمر بعدها في العلاج، لكنه في صحة أفضل بكثير..هذا أحمد الحالي أمامكم، شابًا جميلًا معافى ومحبًا لحياته وتفاصيلها، يحب ريال مدريد، ويشجعه ويشاهده، ويدرس ويتعلم ويتمنى تحقيق أحلامه، وفي فيسبوك ينشر دائمًا صوره الجديدة، وقبل فترة سافر القاهرة ثم عاد منها، وبقي في صنعاء نشيطًا متفائلًا محبًا للآخرين، لقد رعته عناية الله وحفظته دعوات الطيبين وأعادته للحياة، أنا أتابعه بصمت منذ سنوات، أتأمله وأتأمل حياته، وسعيد به وبما وصل إليه، ودائمًا أتذكر نظراته نحوي في ذلك اليوم الذي أسعفته فيه، أنا سعيد به وبحياته وبملامحه المليئة بالحياة، هذه صورته أمامكم، إنه بخير، وملامحه الجميلة أمام أعينكم، إنه في أتم الحياة، سلام عليه وعلى عناية الله التي حفظته.ماجد زايد – مذكرات الـ ـحـ رب نشر بتاريخ 21 أغسطس 2023

Exit mobile version