فجر اليوم || خاص
صباح البغدادي
ووسط حرب إقليمية مفتوحة أدت إلى وقف إطلاق نار مؤقت، برزت باكستان كوسيط محوري بين طهران وواشنطن، محولةً ديناميكية المفاوضات جذرياً. لم يكن هذا مجرد تبادل رسائل دبلوماسية، بل تحول استراتيجي يعكس فشل الوسطاء التقليديين وصعود نموذج جديد لـ”الدول المتوسطة النووية” في ملء الفراغات الجيوسياسية.
هذا التحليل يفكك الأسباب البنيوية لهذا التحول، مع التركيز على العامل الحاسم – الثقل النووي – ويقدم رؤية استباقية لما يمكن أن يعنيه هذا الدور لمستقبل باكستان والمنطقة.
لماذا فشلت عُمان وقطر في الحفاظ على دورهما التقليدي؟كانت عُمان وقطر، لعقود، “المنصات المحايدة” المفضلة: موقع جغرافي خليجي، علاقات وثيقة مع واشنطن (بما في ذلك قواعد عسكرية)، وقدرة على استضافة لقاءات سرية دون ضجيج. لكن الحرب غيرت المعادلة جذرياً.
أصبح وجود القواعد الأمريكية على أراضيهما هدفاً مباشراً للرد الإيراني، مما جعلهما عرضة للضربات وفقدان الثقة من طهران. كدول صغيرة اقتصادياً وعسكرياً، لم تملكا “جلداً في اللعبة” يجبر الطرفين على الاستماع؛ كانتا مجرد قنوات نقل، لا لاعبين قادرين على تغيير الموازين.
إيران، التي تعرضت لضغوط نووية وعسكرية مباشرة، فقدت الثقة في وسطاء مرتبطين عضوياً بالمنظومة الأمريكية-الخليجية. هكذا تحولت مزاياهما التقليدية إلى عيوب قاتلة في سياق تصعيد حقيقي.الثقل النووي: العامل الحاسم الذي ميز باكستانهنا دخلت باكستان كلاعب ثقيل غير تقليدي، وكان الثقل النووي هو العنصر الحاسم الذي سمح لها بسحب البساط. باكستان هي الدولة النووية الإسلامية الوحيدة ذات ترسانة مثبتة ومختبرة، وهذا يمنحها مصداقية فريدة لا تملكها أي دولة خليجية أخرى:مع إيران: طهران ترى في إسلام آباد نموذجاً ناجحاً لامتلاك الردع النووي رغم العقوبات الأمريكية التاريخية.
الحدود المشتركة (900 كم) والفهم المشترك لـ”النووي كأداة سيادة” يخلقان رابطاً استراتيجياً عميقاً. باكستان تتحدث لغة البرنامج النووي الإيراني من موقع الخبرة، لا من موقع التابع.مع أمريكا: واشنطن لا تستطيع تجاهل دولة نووية تملك حدوداً مباشرة مع إيران. أي تصعيد قد يؤثر على الاستقرار النووي الإقليمي، مما يعطي المفاوض الباكستاني وزناً حقيقياً في الغرف المغلقة – رادعاً غير مرئي يمنع التجاهل.توازن في قضية النووي الإيراني: المفاوضات تدور حول البرنامج النووي.
باكستان تقدم “خبرة نووية إسلامية” تجعل اقتراحاتها (مثل نقل خطة الـ15 بنداً الأمريكية) أكثر قابلية للتصديق.بدون هذا الثقل، كانت باكستان مجرد دولة كبيرة أخرى. النووي هو ما حوّلها من “وسيط محتمل” إلى “لاعب لا غنى عنه”، كما أثبت وقف إطلاق النار المؤقت واستضافة المفاوضات المقبلة في إسلام آباد، الثقة في المفاوضين: نتيجة، لا سبباً مستقلاًالثقة التي حظيت بها باكستان (خاصة من جانب الجيش والاستخبارات) ليست شخصية بحتة، بل مؤسسية نابعة من الثقل النووي نفسه.
قنوات مباشرة وموثوقة عبر الحدود، عدم وجود قواعد أمريكية (ما يعطي إيران شعوراً بالحياد)، وتوازن علاقات باكستان مع الصين والسعودية وتركيا – كلها عوامل مكملة. الطرفان يعرفان أن باكستان لديها مصالح مباشرة (أمن حدودها، اقتصادها، نفوذها)، فهي ليست “محايدة بلا مصلحة” بل “متوازنة بقوة”.
رؤية استراتيجية استباقية: كيف تحول باكستان هذا الدور إلى نفوذ دائم؟هذا النجاح ليس نهاية، بل بداية مرحلة حرجة.
باكستان أمام فرصة تاريخية لتصبح “قوة متوسطة نووية” مؤثرة في غرب آسيا، لكنها تواجه مخاطر:الفرص: استغلال الوساطة لتعزيز الشراكات الاقتصادية (مثل ممر الصين-باكستان مع إيران)، بناء تحالفات أمنية غير تقليدية، وتعزيز دورها في قضايا النووي الإقليمي.
إذا نجحت المفاوضات في إسلام آباد، يمكن أن تصبح باكستان “عُمان الجديدة” لكن بثقل نووي – نموذجاً لدول مثل تركيا أو مصر في المستقبل.المخاطر الاستباقية: التورط في صراعات الطرفين (مثل تأثير على بلوشستان أو أفغانستان)، أو فقدان التوازن إذا انهار الوقف لإطلاق النار. يجب على إسلام آباد أن تطور “دبلوماسية نووية” واضحة: ضمانات أمنية مشتركة، آليات مراقبة مستقلة، وتنويع الشراكات لتجنب الاعتماد على طرف واحد.التوصيات الاستراتيجية:بناء مؤسسة دبلوماسية نووية متخصصة (فريق مشترك عسكري-مدني) لإدارة مثل هذه الملفات.ربط الوساطة بمشاريع اقتصادية إقليمية (طاقة، تجارة عبر الحدود) لتحويل النجاح الدبلوماسي إلى مكاسب ملموسة.استباق السيناريوهات: إعداد خطط طوارئ لتصعيد محتمل، مع التركيز على “الردع النووي الإيجابي” (استخدام النووي كأداة سلام لا تهديد).على المستوى الإقليمي: تشجيع “نظام نووي آسيوي غربي” متوازن يمنع سباق تسلح، مما يعزز مكانة باكستان كضامن استقرار.سحب باكستان البساط ليس صدفة تكتيكية، بل تعبير عن تحول جيوسياسي أعمق: نهاية عصر “الوسطاء الصغار المحايدين” وبداية عصر “الوسطاء النوويين ذوي الجلد في اللعبة”. إذا استغلت إسلام آباد هذا الزخم بذكاء استباقي، يمكن أن تتحول من “دولة حدودية” إلى “لاعب إقليمي لا غنى عنه”، وتُعيد رسم خريطة النفوذ في غرب آسيا. النووي لم يكن مجرد سلاح؛ بل أصبح تذكرة دخول إلى طاولة الكبار.
الرهان الآن على الاستفادة الاستراتيجية قبل أن يغلق النافذة.من المعروف تاريخياً أن إيران أظهرت قدراً كبيراً من البراغماتية في دبلوماسيتها وفن التفاوض خلال عقود الصراع مع الولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي بشأن برنامجها النووي. غير أن الهدنة الحالية — التي تُوصف بأنها هشة وليست نهائية، وتمتد لأسبوعين فقط لوقف إطلاق النار — تكشف تحولاً ملحوظاً في هذه الديناميكية.يبدو أن النقاط التي قدمتها إيران كأساس للمفاوضات تختلف اختلافاً جذرياً عن المقترح الأمريكي الذي قبلته واشنطن كإطار أولي.
وفقاً لرسالة وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إلى رئيس الوزراء الباكستاني ورئيس أركان الجيش، يقوم وقف إطلاقف النار على قاعدتين متوازيتين: المقترح الأمريكي المكون من 15 نقطة، الذي يُعتبر الأساس الرئيسي.المقترح الإيراني المكون من 10 نقاط، الذي وُصف في بعض التصريحات الأمريكية (بما في ذلك من وزير الدفاع) بأنه “رمي في القمامة” في مراحل سابقة، رغم أن الرئيس ترامب أشار لاحقاً إلى أن الإطار العام له يمثل “أساساً قابلاً للتفاوض”.
مع تصاعد حدة التصريحات المتبادلة بين الجانبين، يظل فتح أو إغلاق مضيق هرمز “كلمة السر” الحاسمة في هذه المرحلة. فإما أن يفتح هذا الممر أبواب الدبلوماسية في إسلام آباد، مما يمهد لمفاوضات جادة، أو يؤدي إغلاقه إلى إعادة التصعيد بوتيرة أعنف. ومن المهم التنويه هنا أن أي جولة تصعيد جديدة لن تشبه سابقاتها — سواء الحرب التي استمرت 12 يوماً أو تلك التي امتدت لـ39 يوماً — إذ من المتوقع أن تكون الضربات أكثر إيلاماً وتأثيراً، وقد تدفع طهران نحو سيناريوهات كارثية، من بينها انقطاع كهربائي واسع النطاق يغرق البلاد في الظلام الدامس.
هذا الواقع يضع الوساطة الباكستانية أمام اختبار دقيق، حيث يتوقف نجاحها على قدرة الطرفين على التوفيق بين مقترحاتهما المتضاربة قبل انتهاء فترة الهدنة الهشة.
